ركن المقالات
  • دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب صخرة تتكسر عليها دعاوى الشانئين

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1423

    لا يخفى ما منَّ الله عزوجل به على أهل الاسلام نجدا وغورا، سهلا وجبلا، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا من الدعوة المباركة على يد الامام المجدد محمد بن عبدالوهاب سقى الله ضريحه وابل الرحمات، فلقد أتى الله به الأمة المحمدية في وقت الاحتياج غوثا، وفي إبان الاستمطار غيثا، في زمن عاثت فيه الخرافات والشعوذات والخزعبلات في قلوب الناس ونفوسهم، وقامت في بلاد المسلمين عامة وفي الجزيرة العربية خاصة رموزاً للوثنية والجاهلية من المشاهد والقبور والأضرحة والجمادات والتي جعلها غالب الناس قبلة قلوبهم، ومهوى أفئدتهم، ومكان رغباتهم ورهباتهم، وملتقى حجهم، يسكبون عندها العبرات، ويضجون لها بالدعوات،يعتقدون في المقبورين أنهم يشفون المريض، ويردون الغائب، ويرزقون الولد، وينجون الغريق، ويطفئون الحريق، ويتصرفون في معالم الكون، فدفعهم هذا الى صرف كثير من أنواع العبادات لهم؛ كالذبح والطواف والدعاء والنذر.. وغيرها مما هو محض حق الله تعالى وحده لا شريك له، وفُتن الناس في المقبورين، فعظموا قبورهم، وشيّدوها، وبنوا عليها المساجد، فلا تسل عما يحصل عندها من المنكرات العقدية والسلوكية الشيء الذي يكاد يظلم له ما بين الأرض والسماء، وقد سجل لنا التاريخ شيئا كثيرا من هذه المعضلات؛ يهرم على هذه الأمور الخطيرة الكبير، ويشب عليها الصغير، قد أعمتهم العادات وما ورثوه عن الآباء والأجداد عن قبول الحق، وقد أضفوا أنواعا من القداسة والكهنوتية على أشياخهم من عُبّاد الأضرحة والقبور، وأن الحجة فيما يفعلونه، وهكذا من الطوام، وهؤلاء الأشياخ يوغلون في إضلال الناس، ويعلمونهم الشرك ويقولون هذا هو التوحيد، ومن قال غير ذلك فهو شانىء للنبي صلى الله عليه وسلم، غير معظّم للأولياء، فيحّرضونهم في التوجيه الى هذه المقامات والمعبودات؛ ليكون قلوبهم أشربت حب البدع والتعلق بالمقبورين، ولما يعود به هذا العمل عليهم من المكاسب الدنيئة الفاجرة من خلال النذور والأوقاف على هذه المشاهد، فهم لم يزيدوا الأمة إلا ضلالا وتأخراً، ولم يضيفوا للأمة من النجاح إلا قطعانا من الدراويش يخرجونهم من خلواتهم، لا همَّ لهم إلا التبرك بالمقبورين، والتطواف بين الأضرحة والمقامات؛ فأصبح الدين غريباً، والسنة مستهجنة، والصادقون من أهل العلم من دعاة التوحيد والسنة منبوذين.
    فقام الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله المولود سنة 1115ه والمتوفى سنة 1206ه الذي اختاره الله عزوجل على علم، وميزه من بين أهل عصره بما جبله عليه من الحكمة والفهم قَومة المجددين، ونهض نهوض المجاهدين، يدعو الى التوحيد، وتخليص الاسلام مما شابه وكدّره من البدع والشركيات، وارجاع الناس الى الأصلين العظيمين اللذين من اعتصم بهما لن يضل أبداً:«كتاب الله» و«سنة نبيه صلى الله عليه وسلم»، وقد صرف حياته كلها في هذا السبيل؛ لكون هذه الفتنة العمياء، والجاهلية الظلماء، قد أتت على الأخضر واليابس، وغالب علماء زمانه ممن كانوا على الجادة مع استظهارهم على العلوم؛ كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وراتب على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن أنكر على القوم أن يعنف، وإن ألفَّ أن يُخالف ولا يُؤالف، أو تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وكان غاية همِّ أحدهم أن يضيق المسالك على أصحاب المذاهب الفقهية، وأن ينتصر عليهم في المناظرات الفروعية، وذلك بتحرير أقوال الأئمة، أو التأليف في نصرة المذهب، وتواليفهم في هذا إما اجترار أو اختصار، فقام الشيخ رحمه الله يدعو الى تجديد الدين مما أفسده الخرافيون، والعودة بالناس الى المعتقد السليم، وقد عضده الله عزوجل ببقايا الدول ونجايا الملوك الأول «آل سعود» خاصة صاحب السعي الناجح والمقتدي بالسلف الصالح، الامام محمد بن سعود رحمه الله الذي تبنى دعوة الشيخ لكونها دعوة الحق التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين، فأيده وناصره؛ فاجتمعت قوة العلم مع قوة السلطان، وكتب الله عزوجل لها الظهور والانتشار، فدخلت بيوت الشجر والمدر، وبلغت السهل والجبل، ودان لها الناس فحصل لهم الأمن النفسي، والفكري، والإقليمي، والاجتماعي، فاصبحت هذه البلاد والى يومنا هذا مضرب المثل في توفر الأمن والاستقرار وصفاء العقيدة، والسمو عن وحل الشعبذات والهرطقيات والأوهام، الى دوحات التوحيد والسنة والتوفيق، وحصلت كثير من البلاد المتاخمة كثيرا من هذا الخير وصدق الله القائل:(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم «الظلم» في هذه الآية ب«الشرك»، ومن طلب زمانا صافيا عن الأقذاء والأكدار فقد حاول ما يند عن الامكان والاقتدار:

    ومُكلف الأيام ضد طباعها
    متطلب في الماء جذوة نار

    أقول هذا لأن كثيرا من أصحاب المثاليات، يريدون مجتمعا مسلما 100% وهذا مالا يمكن وجوده ولو في الصدر الأول من هذه الأمة، فالناس يريدون من غيرهم الكمال، ويتسامحون به مع أنفسهم، فالله المستعان.
    والمتأمل لدعوة الشيخ رحمه الله يجد أنَّ شجرة دعوته قامت على ساقين عظيمين وهما: تحقيق التوحيد، وتجريد المتابعة للنبي صلى الله الله عليه وسلم، فاعتلت هذه الشجرة باسقة تزاحم النجوم في عليائها، وخرَّج الشيخ رحمه الله أمة لا تبعث بها الخرافات والأساطير والأوهام، ولا تصل اليها يد التبديل والتغيير، قد طهّرت بلادها من الشركيات والبدع، هذه الأمة قام عليها الشيخ بعد جهاد طويل فعلّمها العقيدة الصافية التي هي أسُّ المبنى، وزرعها في تراب ترائبهم فجنت ما تتفيأه من الصفاء والنقاء وصدق التوجه؛ حتى قال الشيخ فيهم:«وإن العاميَّ منهم يغلب ألفاً من علماء المشركين».
    ولما كانت هذه الدعوة قائمة على الاعتقاد السليم، الموصول سببه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصلت هذا الحضور القوي في الساحة الاسلامية، وبدأ صداها يتردد في مشارق الأرض ومغاربها، عن طريق الحجاج والمعتمرين والتجار والمسافرين، وبدأت تتهاوى عقائد الخرافيين، وأصبحت هذه الدعوة مهوى أفئدة الصادقين من الباحثين عن الدين الحق؛ نبض عرق الحسد في صدور المشركين والمبتدعين والخرافيين، فمكنت أفاعيهم بكل مرصدة، وصنعوا كل حيلة، وبذلوا كل وسيلة للقضاء على هذه الدعوة، حتى وصل الحال بشن حروب عسكرية لارهاب أهل التوحيد فدمرت بيوتهم، وحوصرت مدنهم، وتُفننَّ في قتل علمائهم، وحرق نخيلهم، وتفريقهم على الأقاليم والبلدان تحت الاقامة الجبرية وغيرها من وسائل الارهاب، وتتبعوا مصنفاتهم بالحرق، وما زادهم هذا الأمر إلا اصرارا في المضي لتبليغ هذه الدعوة التي ليس لهم فيها إلا متابعة خاتم الأنبياء والمرسلين، فلديها من المعطيات ما يضمن لها الديمومة والبقاء بإذن الله فهي تستقي دعوتها من منبعين عظيمين لا ينضبان أبداً «القرآن والسنة»، وتستنبت منهجها من القرون المفضلة المشهود لها بالخيرية على لسان رسولنا صلى الله عليه وسلم.
    ولما أعيت الخرافيين الهجمات البربرية، بدأوا بأحدوثة إعلامية، وبأكذوبة شيطانية، يضاهئون فيها قول الذين كفروا من قبل، مما فعلته كفار قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم من الكذب والتلفيق عليه وزعمهم أنه ساحر.. شاعر.. كاذب.. كاهن.. مجنون.. يفرق بين المرء وزوجه وغيرها مما يسوِّله لهم الشيطان ويملي عليهم، وبدأوا في سلوك هذا النمط من التشويه والتشكيك، فأخذوا يكيلون على إمام الدعوة وعلمائها من التهم والكذب ما يستحي ابليس من قوله وفعله، وما زاد الدعوة أمام هذا الطوفان من التهم والمين إلا انتشارا ومحبة وقبولا لدى شريحة كبيرة من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فلما كانت الأرض لا تخلو من عقلاء منصفين، وأماثل معتدلين قامت مجموعة من عقلاء العلماء في كثير من بلدان العالم، فتفحصوا أمر هذه الدعوة، وسبروا غورها، آخذين الخبر من مظانه، لأن الانصاف والعدل يقتضيان من المرء ألا يحكم بالظنون؛ فالظن ليس ذا قيمة في اكتشاف الحقائق يقول تعالى:( إن الظن لا يغني من الحق شيئا) إنما الذي يوصل الى الحقيقة هو التبين والتثبت يقول تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) فكلما وقف الانسان مع الحقائق وأخذها من مظانها، كلما توصل الى الحقيقة بعينها بإذن الله سبحانه وتعالى، فلما وقفوا على حقيقتها من خلال قراءة مصنفات أئمة الدعوة النجدية، أومذكراتهم، ومقابلتهم، علموا صدق دعوتهم، وأنهم لم يأتوا بجديد وإنما أعادوا الناس الى الأمر العتيق الذي عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فتمكنت هذه الدعوة من قلوبهم بل أخذت بشغافها، فتبنوها، ودعوا الناس اليها؛ لكونها دعوة الاسلام الصافية؛ فخرجت خارج الجزيرة العربية، بل وصلت الى الأقاصي القصية، من بلدان العالم، يجيب أتباعها على أهل الخرافة والبدعة بما ذكره بعض الأماثل ممن تأثر بهذه الدعوة المباركة وهو ابن عمران:

    إن كان تابع أحمد متوهبا
    فأنا المقر بأنني وهابي

    والشيخ ابن عبدالوهاب رحمه الله مصنفاته البحار الزواخر، والتي لجواهرها وكثرتها وقوة مادتها لا يعرف لها أول ولا آخر، مثل :«ثلاثة الأصول» و«كشف الشبهات» و«آداب المشي الى الصلاة» وغيرها كثير، ومن خواص كتبه والذي اعتنى به أهل العلم: تحقيقا، وتخريجا، وشرحا، وتحشية «كتاب التوحيد» هذا الكتاب العظيم الذي كلما طالعه المرء، وتأمل ما في مبانيه ومعانيه انشرح صدره لحل كثير من المعضلات، وفك كثير من المشكلات المتعلقة بالاعتقاد، ولا ريب ان هذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصه الله بالفقه والفهم، فكتبه رحمه الله تكاد تجمع العقول السليمة على سلامتها ومتانتها، هذه الكتب ما قرأها عالم لا يعرف مؤلفها إلا ويخبر بأن هذا النمط من التأليف من جنس تصنيف الامام البخاري ونفسه في الكتابة، واضرابه من علماء السنة والجماعة عبر الأزمان المتتابعة، وقد سجل لنا التاريخ شيئا كثيراً ليس هنا مجال بسطه.
    وثم طائفة نشاز، في الغي حائفة، وعن الطريق السوي ناكبة، وهم جذعان لم يقرحوا، ومتفذلكين طاروا ولما يريشوا، يظهرون بين فينة وأخرى، وبعضهم ضحية صيحات بدعية، يريدون أن يشتهروا على أكتاف الجهابذة، يعظمون النكير على بعض مصنفات الشيخ رحمه الله بعيدين كل البعد عن الموضوعية في الطرح، والمنهج العلمي في الرد، حتى لقد بلغ قصور فهم واحد منهم، وضعف ادراكه، ان حمل كلام المجدد رحمه الله مالا يحتمل لا بمنطوقه ولا بمفهومه، فجاء بأمور أغرب من العنقاء، وفسر كلاما للشيخ يدرك معناه صغار الطلبة، بل انه يفهم بأوائل العقول قبل أواخرها، وأخذ يضع للشيخ قواعد وينسبها اليه من خلال خلفيات يحملها هو، والشيخ لم يقلها وبريء منها، ولست هنا في صدد تفنيد كلامه ولا مذكرته التي يوزعها على العامة، لأنها لا تستحق من يسود لها بيضاء، ولأني أردت أن أسوق أنموذجا لمن يريد ان يشتهر على أكتاف العظماء بنقدهم، وذلك بانتفاء الأقوال وبتر النصوص على ما يناسب هوى المنتقي الذي يهمه في المقام الأول تشويه صورة الخصم بعرض جزء من كلامه، واسدال الستار على باقي نصوصه وقواعده، الذي ربما قد لا يستقيم الكلام إلا بها، وهذا عند جميع فرسان الكتابة والتصنيف: مناف لأبسط درجات الالتزام الخلقي والموضوعي؛ فضلا عن كونه محرماً شرعا ومتوعداً صاحبه بالعقوبة العاجلة!!.
    وكان الجدير بهذا وأمثاله أن يتعلموا ويتفقهوا ويجلسوا في دروس العلم ويستمعوا لشرح العلماء في كتاب كشف الشبهات وغيره من كتب أهل العلم:

    عليَّ نحت القوافي من معادنها
    وما عليَّ إذا لم تفهم البقر

    هذه الكتب التي سارت بها الركبان في جميع الأوطان، واعترف بحسنها الحاضر والبادي، والداني والقاصي، والصديق والعدو، وعلى طول الزمان تفنى التشغيبات وتندثر الردود والكتابات وأصحابها، وتبقى كتب الشيخ ابن عبدالوهاب وأئمة الدعوة تسير في طول العالم الاسلامي وعرضه، وتلقى من القبول والانتشار الشيء الذي لا تحظى به كثير من كتب الاسلام.
    ومما صنعه المناوئون للشيخ ولدعوته، وما كادوا به: اطلاق لقب «الوهابية» عليها وعلى كل من ينتسب اليها، وأخذوا يبالغون في ذمها بما لا يقال في حق يهودي أو مجوسي، حتى تجاوزت المبالغة بالتشنيع الحدود والأقطار فزعم بعضهم وهو يتحدث عن «شيخ الاسلام ابن تيمية» انه وهابي من اتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب!!.
    وزعموا ان دعوة محمد بن عبدالوهاب فرقة محدثة، وطائفة خارجة، يكفرون المسلمين، ويدعون الى غير سبيل المؤمنين، كل ذلك ليسحبوا البساط من تحت أرجل علمائها ، ويُنفَّر العامة والدهماء من الناس عن هذه الدعوة، وهم يريدون من هذا اللقب مستودعا لكذباتهم وافتراءاتهم متى شاءوا وأرادوا، ليلصقوا التهم، والكذب فيها، وأبى الله تعالى إلا أن ينصر أولياءه؛ فكان هذا اللقب منقبة لهم غير منقصة «ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله» فانقلب السحر على الساحر، وانقلبت المنقصة التي زعموها الى منقبة، فلقد نسبوهم الى الوهاب جل في علاه، وفي الوقت ذاته لم نسمع عن واحد من أئمة الدعوة والى يومنا هذا من ينتسب الى الوهابية، فالجميع يتشرفون بالانتساب الى سلف هذه الأمة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية ومن سار على طريقتهم، وأخذ من هديهم ودلهم وهذا أمر مشتهر عند العامة فضلا عن الخاصة اشتهار الصباح في سواد الظلام، وأنهم أبعد الناس عن التكفير إلا لمن كفره الله تعالى، وأنه حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله.
    ومن افترءاتهم أنه جاء بمذهب جديد خامس ليبطل باقي المذاهب الاسلامية الأربعة والتي ينتسب أصحابها الى أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ وهذا أمر في غاية الكذب، لا يعدو كونه صرير باب أو طنين ذباب؛ فالشيخ حنبلي وهكذا سلفه حنابلة وكان رحمه الله يعظم الأئمة وله أقوال عظيمة في هذا الشأن تكتب بماء الذهب، وكان يجتهد في المذهب، يتخير فيه، جاريا في أغلب أحواله في مضمار ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم من أهل العلم من ذوي التحقيق في المذهب.
    نعم كان يعيب التعصب الأعمى الذي ابتدع في القرن الرابع، وذلك بجعل أقوال الرجال مذاهب للانتصار والانتصاب، وترك نصوص الكتاب والسنة، والاستغناء عنها بأقوال الرجال وتطويع النصوص لأقوالهم، والأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الدين متفقون على أنه:«لا يحل لأحد أن يأخذ بأقوالهم متى ما استبانت لهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما قالوا» وهكذا أهل العلم يقولون:«لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا» وأقوالهم في هذا لا تخفى على مطلع. فدعوى أنه جاء بمذهب جديد، دعوى يكذبها الحس والواقع.
    ومن أعجب كذباتهم وافترائهم دعواهم ان هذه الدعوة تدعو الى التخلف وعدم مواكبة العصر وعدم استعمال الحديث من التقنيات، وارجاع الناس الى ركوب الدواب، وهذا كلام في غاية السقوط، فهذه الدعوة الربانية جاءت لعمارة الدنيا والسعي للأخرة، وتدعو الى الأخذ بالجديد والحديث، وخير دليل ما تشهده المملكة العربية السعودية من تنمية أذهلت العقول، وجعلتها في مصاف الدول العظمى، ومن تطور في العمران، واستعمال الجديد، والتقدم والرقي وذلك بالتعامل عن طريق التكنولوجيا الحديثة في جميع المؤسسات الحكومية والأهلية، والاندفاع نحو الحديث بأخذ ما هو صالح متوافق مع القواعد العامة للشريعة التي جاءت بحفظ الضرورات الخمس التي أجمعت جميع الملل على حفظها وفتح جميع الوسائل التي تدعو الى بقائها وهي الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وترك ما هو ضار من الأشياء التي لا يتعلم منها البليد ولا ينتفع بها الذكي.
    هذه الدعوة المباركة نفخت روح الاعتناء في ولاة أمرها الذين تبنوا هذه الدعوة وناصروها من جهة التنمية، والتطور، والأخذ بزمام المبادرات الداعية الى التقدم الحضاري، وكمثال واحد على ذلك وهو شاهد لكل من له عينان عمارة الحرمين الشريفين ما يقطع قول كل خطيب!!
    وفي الحقيقة ان هذا المقال ليس مجالا للجواب عن كل تلك الافتراءات والتي يثيرها البعض بين فينة وأخرى، والساحة مليئة بالكتابات في هذا الشأن، والصادقون من هذه الأمة لهم مساهمات معلومة سواء من علماء الجزيرة العربية، أو من هم خارجها؛ كالسهسواني في «صيانة الانسان»، وكمسعود الندوي في «الشيخ محمد بن عبدالوهاب داعية مظلوم ومفترى عليه» وغيرها كثير

    المزيد
  • حرمة الدم الانساني

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1527

    إن المتأمل في نصوص الشريعة يجد أن الإسلام يعظم حرمة الدم الإنساني، فالأصل في الدماء عموماً العصمة، والحكم بهدرها شيء طارئ، ويكون ذلك بارتكاب المرء ما يستحق عليه القتل بنصوص قطعية من الكتاب والسنة لا تحتمل التأويل، ولأجل هذا يقرر الفقهاء أن قتل الأنفس لا يجوز الإقدام عليه إلا بمسالك ضيقة موضحة في نصوص الشريعة، من ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. وأيضا من القواعد المقررة عند أهل العلم أنه لا يجوز أن يتولى قتل الأنفس (بحق) آحاد الناس وأفرادهم، كرجم الزاني، أو قتل القاتل، أو من أظهر ردة صريحة: عالماً، مختاراً، قاصداً، ونصوا على أن من يقدم على هذا يعد مفتئتاً على السلطان، يجب تعزيره بأشد العقوبات، لأن إقامة الحدود يشترط لها قوة شرعية وسياسية، تحسم مادة الشر التي تتولد من الثأر والانتقام، ويأمن الناس من الحيف عليهم، وهذه موجودة في السلطة الحاكمة، وفيمن يستمد سلطته من الحاكم أو السلطان وهم القضاة، هذا في القتل بحق، فكيف بالباطل؟!! ولأجل هذا جاء الوعيد الشديد، والعذاب الأكيد، على من قتل نفساً بغير حق، فلقد ورد ذكر قتل الأنفس المعصومة بعد الشرك بالله تعالى في نصوص الشريعة، مما يدلنا على أنه من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ونصوص الكتاب والسنة مستفيضة بذكر خطورة سفك الدماء بغير حق، قال تعالى :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.. وقال سبحانه وتعالى:{.. أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}وذكر الله تعالى صفات المؤمنين أنهم لا يرتكبون فظائع الآثام، وعظائم الذنوب، ومن ذلك القتل، وقد جاء ذكره بعد الشرك به سبحانه وتقدس، فقال:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة من الأحاديث فيها تعظيم حرمة الدم الإنساني، وحرمة إزهاق الأنفس المعصومة، وبيان الجزاء المترتب على ذلك، وفي واحد من هذه الأحاديث ما يزجر ويردع من لديه أدنى مخافة من الله تعالى؛ عن الإقدام على مثل هذه الجريمة، والفعلة الشنيعة، فمن ذلك:قوله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات.. وذكر منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
    قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) قال بن عمر: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفك الدم الحرام بغير حله. رواه البخاري والحاكم من حديث عمر.
    وقال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
    وقال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه مسلم من حديث البراء بن عازب.
    ويقول عبدالله بن عمرو: رأيت رسول الله يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وما أطيب ريحك! وما أعظمك وما أعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمة منك، ماله ودمه، وأن نظن به إلا خيراً) رواه بن ماجة.
    وقال صلى الله عليه وسلم: (كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا الرجل يموت مشركاً، أو يقتل مؤمناً متعمداً) رواه أبوداود وابن حيان والحاكم من حديث معاوية.
    وقال صلى الله عليه وسلم: (يأتي المقتول متعلقاً رأسه بإحدى يديه، متلبباً قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دماً، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار) رواه الترمذي من حديث ابن عباس.
    وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه أبوداود من حديث عبادة بن الصامت. يعني فرح بقتله والعياذ بالله.والنهي عن إزهاق الأنفس، والاعتداء على الدماء لا يقف على قتل المسلم وإيذائه فقط، بل يتعدى ذلك إلى غير المسلمين من الذميين والمعاهدين، فيحرم قتل المعاهد، وهو الكافر الذي دخل بلاد المسلمين بأمان الحاكم، أو الكفيل لأجل العمل، أو الذي يمثل دولته في بلاد المسلمين، فنفسه معصومة، ودمه محقون، وقتله محرم وجريمة، يبرأ منها الإسلام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) رواه البخاري من حديث عبدالله بن عمرو.
    أسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن

    المزيد
  • صيانة الفتوى عن العبث

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1255

    الفتوى توقيع عن الله تعالى. قال محمد بن المنكدر: إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم، ولقد كان السلف من أكثر الناس هروباً منها، وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة واضطلاعه بمعرفة المعضلات حينما يُسأل أن يدفع بالجواب، أو يقول لا أدري، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري، فشأن الفتوى عظيم، وخطرها جسيم، وتعيين المفتين منوط بولاة الأمور، لاطلاعهم على الأصلح فيها، ولحسم باب الجرأة من المتعالمين الذين لا يترددون في إفتاء كل من يتعرض لهم، وهم غير مؤهلين لذلك، أو أنهم أهل بدع ومخالفات قد يفسدون أكثر مما يصلحون خاصة إذا تعرضوا لمسائل الاعتقاد، أو الحلال والحرام، أو النوازل التي لا تصلح للفتاوى الفردية، وإنما تتصدى لها دور الفتوى، أو المجامع الفقهية، أو الشورى الجماعية لأهل الحل والعقد من الولاة والعلماء، وهي سنة صحابية، يقول الزهري: كان مجلس عمر مغتصاً من العلماء والقراء (كهولاً وشباناً) وربما استشارهم فكان يقول: لا تمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن الرأي ليس في حداثة السن، ولا على قدمها، ولكن أمر يضعه الله حيث شاء، وربما سمع عمر رضي الله عنه الرجل يفتي منفرداً فيعلو هامته بالدرة. وزماننا هذا اتسم بمشكلات معقدة، ونوازل عجيبة، واكتشافات علمية، وتطورات إقليمية وعالمية، قابلها فتاوى فردية من مشهورين ومجهولين تمثل في الواقع ردود فعل مستعجلة، لا خطام لها ولا زمام بعد النظر والتمحيص، صادرة بانفعال وعدم روية، تستجيب لعواطف بعض المندفعين، وتحقق رغبتهم في سرعة الحكم على النوازل والحوادث، مشنعين في المقابل على العلماء الربانيين المفرغين للفتوى، وعلى دور الفتوى، ومجامع الفقه، واتهامها بالاستهلاك، وفي واقع الأمر أن التسيب الحاصل في شأن الفتوى، وافتيات البعض في هذ الشأن خاصة في القضايا المصيرية، يمثل ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المسلمين بهذا الشكل الفج، يقول الخطيب البغدادي:(ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها، وأوعده بالعقوبة إن لم ينته عنها، وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام المواسم قوماً يعيّنونهم، ويأمرون بأن لا يُستفتى غيرهم، والطريق للإمام إلى معرفة حال من يريد نصبه للفتوى أن يسأل عنه أهل العلم في وقته، والمشهورين من فقهاء عصره، ويعوّل على ما يخبرونه من أمره).أ.هـ.
    وقال ابن القيم: من افتى الناس وليس أهلا للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره على ذلك فهو آثم أيضا - قال أبو الفرج بن الجوزي: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟ وكان شيخنا - يقصد ابن تيمية - شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء:أجعلت محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب. أ.هـ.

    وليس هذا تعقيداً أو تضييقاً كما يظن البعض، بل هو ضبط لأخطر أمر في الدين، تتعلق به مصلحة مجموعة الأمة، خاصة وأنه قد خاض فيه، واقتحم ميدانه، من ليس أهلاً له، وصدرت فتاوى مشهورة سفكت بسببها دماء، وأحدثت فتنا متعاقبة، وكدرت الصفو، وجرّت على الأمة ويلات في ظل وجود علماء يشهد لهم القاصي والداني بمتانة الدين، ووفرة العلم، وسلامة المعتقد، وحسن السيرة، ممثلين في لجان الفتوى، وفي هيئة كبار العلماء، وأيضاً في المجامع الفقهية التي ساهمت وبشكل كبير في حل كثير من المعضلات والنوازل

    المزيد
  • قد افلح من زكاها

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1615

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله,, وبعد:
    تكمن في النفس البشرية ثلاث قوى، هي القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وهذه كلها مستلة من قول الله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) وايضا من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما سئل عن أي الذنب أعظم؟ قال: (ان تجعل لله ندا وهو خلقك) قيل ثم اي,؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قيل ثم أي قال: (ان تزني بحليلة جارك) مخرج في الصحيحين من حديث ابن مسعود.
    وأعلى هذه القوى هي القوة العقلية، وقد خص الله بها جنس الإنسان عن سائر الدواب، وتشاركه فيها الملائكة كما قال ابوبكر بن عبدالعزيز: (خلق للملائكة عقول بلا شهوة، وخلق للبهائم شهوة بلا عقل، وخلق للإنسان عقل وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه), وتبلغ القوة العقلية تمامها بالعلم والإيمان وتوحيد الله وإفراده في ألوهيته وربوبيته، والاستدلال بمخلوقاته على عظمته وقيومته، وتبلغ القوة العقلية اسفل دركاتها بالكفر، والشرك، والابتداع، وإعمال هذه القوة في غير ما خلقت له ولذلك يطلق على من سخر هذه القوة في ما يضر ولا ينفع بالميت الموت المعنوي كما قال تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها).
    والقوة الغضبية تأتي في المرتبة الثانية في النفس البشرية وجنس القوة البغض, وتبلغ القوة الغضبية ذروتها يوم ان يصرفها في مراد الله ومحبوبه، وفي مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومحبوبه, ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله) وما ينتج عن هذا البغض في الله من آثار كثيرة مضبوطة بضوابط الشرع هو من هذه القوة المحمودة.
    وتنحط القوة الغضبية الكامنة في النفس البشرية الى الحضيض عندما يسيرها الشيطان، فيدفعها الى القسوة بالقول والفعل، وذلك عن طريق الشتم او اللعن أو النميمة، أو الكذب، أو الاعتداء المحرم باتلاف الاعضاء، أو إزهاق الانفس المعصومة المحرمة بغير وجه حق, ولذلك جاءت الشريعة بضبط القوة الغضبية، وذلك بخطمها بزمام الإيمان وكفها عن الظلم بجميع أنواعه، وامرها بالعدل، والقسط، والإحسان، والعفو والصفح، والحلم والجود، وغيرها من الاخلاق التي تسمو بها النفس عن أن تكون منقادة للشيطان فترتفع الى درجات الفضيلة في الأقوال والتصرفات والأفعال.
    وأما القوة الشهوانية فتأتي في المرتبة الثالثة وجنس هذه القوة الحب, وهذه القوة لا تكاد تخلو منها نفس بشرية لكنها تتفاوت من جهة القوة والضعف، من شخص لآخر حسب ما قام في النفس من الإيمان والمراقبة فالإيمان كلما قوي اضعف من سورة القوة الشهوانية، إما بانعدامها بالكلية، او التقليل منها, والقوة الشهوانية كامنة في النفس البشرية كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شرره عما في زناده.
    وتبلغ القوة الشهوانية اسفل دركاتها يوم ان يقع المرء في الزنا كما نبه الشارع الحكيم على ذلك، ولذلك لا يكاد يخبو نار القوة الشهوانية إلا بأمرين:
    الأول: مواقعة الأمر وملابسته وبهذا تستغل هذه النفس فتكون طينية سفلية، وتعاقب بالقوة وحرمان لذة العبادة وغيرها من العقوبات الروحية والجسدية.
    الثاني: الامتناع عنها، والانكاف عن ملابستها وذلك بحسم الوسائل المفضية إليها، وهنا تسمو النفس وترتقي، فيعوض الله تلك الحرارة الرهيبة والتي أشعلتها القوة الشهوانية في النفس البشرية بلذة، يجد حلاوتها بانشراح وسعة صدر، وراحة بال وطمأنينة وهناء في العيش مصحوبة بنشوة الانتصار على الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
    لذلك ينبغي على العاقل الانتباه الى هذا الامر العظيم، وإعمال جميع الوسائل المفضية الى المقصود العظيم، وهو الوصول بالنفس الى أعلى صفاتها، وأكمل درجاتها، وهي النفس (المطمئنة) وحسم جميع الوسائل المفضية الى النزول بالنفس إلى اسفل دركاتها.
    اللهم ارزقنا نفوسا مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، وتخشاك حق خشيتك .

    المزيد
  • ظاهرة تعبير الأحلام

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1843

    ان أمر الرؤى والأحلام من الأمور التي اعتنت بها الأمم على مر العصور وكر الدهور، وذلك لما تعكسه هذه الرؤى على نفوس الناس من تأثيرات تتنوع ما بين أفراح وأتراح، حسب ما يرون في مناماتهم مما يقدره الله سبحانه وتعالى، وهذه الرؤى والأحلام من الأمور الجبلية التي يتعرض لها جنس الانسان، وهي اعتقادات أو ادراكات يعلقها الله في قلب العبد على يدي ملك او شيطان،
    ولقد زادت عناية الأنبياء عليهم السلام بها، وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان غالبا ما يقول عندما يصبح ويجلس بين أصحابه: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا» فعناية النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عنها دليل على شدة الاهتمام بأمر الرؤيا، الا انه في الآونة الأخيرة زاد اعتناء الناس بأمر الرؤى والأحلام زيادة ملحوظة، لكثرة ما يرونه في مناماتهم، حتى أصبح الشيطان يلعب بعقول كثير من الناس ونفوسهم، وأخرجهم هذا الاهتمام الزائد الى كثير من الأمور غير المشروعة والتخبط الكبير والبعد عن المنهج النبوي في التعامل مع ما يرونه في مناماتهم، ولا سيما جنس العامة الذين هم أسرع الناس الى التأثير والتصديق من غيرهم،
    وهذا الاهتمام الزائد بالرؤى والأحلام أفرز لنا في المقابل عددا ليس بالقليل ممن يتصدى لتعبير الرؤى، وهم ما بين متمكن موفق يحمل صفات المعبر الشرعي وهم قلة قليلة، وما بين هاوٍ متطفل على مائدة المعبرين من أهل العلم والبصيرة يتلذذ لكل جديد، ويطير مع كل غريب، ويحاول ان يقتحم هذا الامر العظيم والخطب الجسيم، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ويقذفون بالغيب من مكان بعيد، حتى انك لتسمع الآن في البلد الواحد عشرات الأشخاص الذين يزاولون تعبير الرؤى، والكثير منهم يهرفون بما لا يعرفون، فتجد بعض هؤلاء الهواة إن صح التعبير يعبرون رؤى من يسألهم، من خلال خلفيات معينة يحملونها، إما ثقافية، أو فكرية، أو منهجية، أو سياسية، أو عاطفية، فيطوعون الرؤيا لهذا المشرب أو ذاك، نسأل الله السلامة والعافية،
    وفي هذا الوقت الذي يعيش فيه العالم اضطرابا بشتى الأحداث، بدأ الكثير من هؤلاء يتجاوزون في تعبيرهم للرؤى والأحلام حدودا لا يجوز لأهل العلم السكوت عليها، خاصة في جزمهم بوقوع أشياء، ، وخروج أشخاص، ، وتغير سنن كونية، ، وأشياء كثيرة، نسمعها ونقرأها من هنا وهناك، لا يسعفهم الواقع أثرا ولا نظرا،
    وقد ذكرتني هذه الظاهرة، بظاهرة احتراف الرقية الشرعية التي انتشرت في العقد السابق انتشارا كبيرا، وتطلع اليها الكثير، حتى ان كثيرا ممن كان مريضا وشفي على يد أحد القراء، بدأ يحترف القراءة، وضرب الناس على بابه بعطن، ولا يفهم من كلامي انكار الرقية الشرعية، كلا! ولكن المنكر، احترافها والجلوس لها، فهذا لم يكن عليه السلف الصالح،
    وبانحسار مد ظاهرة احتراف الرقية، بدأت تلوح بالأفق هذه الظاهرة وهي تعبير الرؤى والأحلام مما ينبىء بانتشارها على نطاق واسع ان لم يكن لأهل العلم تدارك فيها قبل ان تصبح حرفة في الأيام القادمة ولا استبعد ان يشترط البعض على تعبيرهم للرؤية مبلغا محددا، يصنف على حسب قوة الرؤية من ضعفها!! كما حصل لكثير من الذين يرقون، فيصبحون يتآكلون بها في كتب تباع أو روايات تحكى يخوفون بها الناس لتحقيق مطامع ومصالح، مثل تلك الرؤى التي يروج لها أرباب الطرق الصوفية يزعمون فيها ان من روجها بين الناس وفعل ما فيها حصل له من الفضل كذا وكذا وان من أعرض عنها ولم يفعل ما فيها أصابه من الضر ما الله به عليم، زعموا، أو تحدث فتنة بين الناس خاصة ما نسمعه ونقرأه من الجزم بخروج المهدي مثلا، أو تغير سنن كونية في العالم،
    وقد رأيت ان الحاجة الى الحديث عن مثل هذه الظاهرة في مرتبة الضرورة في هذا الوقت بالخصوص أكثر من غيره للأسباب التي ذكرتها آنفا، وخوفاً على الناس من ان يلعب بهم الشيطان، وتذكيرا للمتطفلين ممن يحاولون اقتحام هذا الأمر، فتعبير الرؤيا من ضروب الفتوى، وهو من العلوم الشرعية، له اصوله وقواعده، فلا ينبغي ان يتصدى لها الا عالم او فقيه بها، ومن قال فيه كذبا ففي الشر وقع يقول تعالى: «ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون»،
    وقد سئل إمام دار الهجرة مالك بن انس أيعبر الرؤيا كل احد؟ فقال: أبا لنبوة يلعب؟!
    وقال رحمه الله: لا يعبر الرؤيا الا من يحسنها، فان رأى خيرا أخبر به، وان رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت،
    أولى لك أولى أيها المجازف، ، ثم أولى لك فأولى،
    وينبغي لمن يحسن التعبير أيضا اذا أخبر برؤيا ان يعبرها على خير وان يحذر أشد الحذر من تخويف الناس بها، قالت عائشة رضي الله عنها: «كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج يختلف يعني في التجارة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ان زوجي غائب وتركني حاملا فرأيت في المنام ان سارية بيتي انكسرت واني ولدت غلاما أعور فقال خير يرجع زوجك ان شاء الله صالحا وتلدين غلاما برا فذكرت ذلك ثلاثا فجاءت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غائب فسألتها عائشة فأخبرتها بالمنام فقالت لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا فقعدت تبكي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مه يا عائشة اذا عبرتم الرؤيا فاعبروها على خير فان الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» فأين هذا المنهج من فعل كثير ممن بثوا الرعب في قلوب الناس، وجلبوا لهم القلق الدائم، والحسرة التي لا تنقطع من خلال تعبيراتهم المجانبة للصواب،
    والمقرر عند أهل العلم ان الرؤى والأحلام لا يترتب عليها أحكاما في الواقع، الا ما يراه الأنبياء والرسل، فهناك فرق بين رؤيا الأنبياء ومن سواهم من الناس، فرؤيا الأنبياء حق وهي من الوحي فانهم معصومون من الشيطان، ولهذا لما رأى ابراهيم الخليل في المنام انه يذبح اسماعيل أقدم على ذبحه، وأما رؤيا غيرهم من البشر فتعرض على الوحي الصريح، فان وافقته والا لم يعمل بها ولم يلتفت اليها، وان هذه المنامات التي يراها الناس انما هي مبشرات لا يعقد عليها حكم شرعي يقول هشام بن حسان: كان ابن سيرين يسأل عن مئة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء الا ان يقول اتق الله وأحسن في اليقظة فانه لا يضرك ما رأيت في النوم وكان يجيب في خلال ذلك ويقول انما اجيبه بالظن والظن يخطىء ويصيب،
    والمقرر عندهم انه ليس كل ما يراه المرء في منامه يكون حقا، فلقد اختلط على كثير من الناس أمر الرؤيا، لما بعدوا عن هدي الشرع الحنيف، ووقعوا في المعاصي، لعبت بهم الشياطين حتى ظن الكثير منهم ان كل ما يرى في المنام حق لابد من وقوعه، ولذلك تجد الواحد منهم يرى أكثر من رؤيا في المنام الواحد فيها ما يفزعه كلها من تلعب الشيطان به، فعن جابر رضي الله عنه جاء اعرابي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك،
    والواجب على هؤلاء ملازمة الأذكار الشرعية قبل النوم، كقراءة آية الكرسي والمعوذات وخواتيم سورة البقرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وقال صلى الله عليه وسلم: «اذا قلت قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثلاث مرات حين تصبح وحين تمسي تكفيك من كل شيء»،
    وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء»،
    وينبغي على الناس جميعا ان يتعلموا المنهج الشرعي في التعامل مع ما يرون سواء كان مما يسرهم أو ما يسوءهم، فمن رأى رؤيا مكروهة عليه فعل ستة أشياء:
    (أ) ان يتعوذ بالله من شرها،
    (ب) ان يتعوذ بالله من شر الشيطان،
    (ت) أن يتفل عن يساره ثلاثاً حين يهب من نومه تحقيراً للشيطان،
    (ث) ان يتحول عن جنبه الى الآخر،
    (ج) ان يصلي،
    (ح) ألا يذكرها لأحد،
    فاذا فعل هذه الأشياء فانها لا تضره، ويذهب الله من قلبه ما يجد من أثرها وان كانت صالحة ينبغي له فعل أربعة أشياء:
    (أ) ان يحمد الله عليها،
    (ب) ان يستبشر بها،
    (ج) ان يحدث بها من يحب دون من يكره،
    (د) ان يسأل عنها عالما أو ناصحا،
    والواجب على أهل العلم طرق هذا الموضوع في جميع الوسائل، ومن خلال كل المنابر الاعلامية، وبيان المنهج الشرعي السليم في التعامل مع الرؤى والأحلام، وارشاد الناس الى ما ينفعهم، وسد الطريق أمام المتهوكين ممن يظنون ان التعبير أمره يسير وانه ينال بالاكتساب والتأهيل، وانه مرعى مستباح لكل أحد لا ينبغي حكره على فئة معينة، حتى أدى بنا الحال الى ما بدأنا نلمسه من التداعيات والمجازفات والجرأة العجيبة وغياب المنهج الصحيح لهذا الفقه الذي لا توجد به مساحة للاجتهاد والتدرب، وانما هو هبة يمنحها الله من شاء من عباده، يعرفون بصدقهم واخلاصهم وعلمهم بالكتاب والسنة وشدة تمسكهم وأخذهم بهذين الأصليين العظيمين، وأيضا ما يلمسه الناس من صدقهم من خلال اصابتهم في التعبير،
    والحمد لله أولا وآخرا .

    المزيد
  • كثرة الانجاب سلاح الأمة ( رد على موضوع )

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1598

    اطلعت على ما كتبه الاستاذ سلمان بن محمد العُمري في جريدتكم الغراء العدد 10078 وذلك يوم الثلاثاء الموافق 27/1/1421هـ بعنوان نقطة نظام والتي ناقش فيها ما كتبه الاستاذ: يوسف الذكير في جريدة الرياض وذلك يوم الثلاثاء الموافق 27/1/1421هـ مقاله الذي عنون له  بـ وعي الانجاب والذي يدعو فيه كاتبه الى تقليل النسل، بعد ان حشد فيه ارقاماً يشير فيها الى عدد سكان المملكة في العقود القادمة والتي تمثل خطراً على الاقتصاد، عطفاً على ما نعيشه في هذه السنوات، وقد ألفيت نقاش الاستاذ العُمري جيداً ولاسيما وقد ناقشه في اللغة التي تحدث بها، وانني ازيد على ما ذكره الاستاذ العُمري من ذكر بعض الامور الشرعية التي وقع فيها الاستاذ الذكير وفقه الله في مقاله متمنياً منه ان يراجع فيه ما ذكر، وواضعاً في ذهنه وذهن جميع القراء ان الاسلام فيه كل ما يتصل بصلاح امر الدنيا وسعادة الآخرة، وانه لا يرفض وضع الخطط المستقبلية الخاصة في معاش الناس، وهذا ما تنتهجه حكومتنا وفقها الله وايدها، ففي قصة يوسف في تعبيره رؤيا الملك ما يشير الى هذا، وكذلك ما صنعه الخلفاء الراشدون، وهذه الخطط تكون بالنظر الى احتياج الناس ومتطلباتهم بالنسبة الى اعدادهم الواقعة والمتوقعة، لا في الدعوة الى تقليل جنسهم، ولا يخفى هذا على مطلع , وقد جانب الاستاذ الذكير وفقه الله الصواب حينما حاول لي عنق النص الذي يدعو فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الى التناسل والتكاثر، وان هذا خاص في زمن الرسول حينما كانوا قلة يانعة، ولاشك ان هذا باب لو فتح لانهدم كثير من احكام الاسلام، ولأصبحت الامور رجراجة، لان هذا الطرح يحمل فكرة عدم صلاحية الاسلام لكل زمان ومكان، والظن بالاستاذ الذكير انه بعيد عن هذا، ولو تفكر في خطورة هذا التفسير واعاد النظر فيه مرة اخرى لهدي الى الحق باذن الله, وايضاً تعليله بأن الرسول دعا الى تكثير النسل لما كانت اعداد المسلمين قليلة مقارنة بما يحيط بهم من كثرة ساحقة لامم النصارى والاحباش والمجوس، فقد غفل عن آخر الحديث الشريف فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة .
    وايضاً الذي يعرفه العامي والمتعلم انه ليس هناك وجه مقارنة بين المسلمين وغيرهم من امم الروم، والصين، والهند، وجنس الترك,, الخ من جهة العدد، فعلى هذا يكفي في هذا الامر انتقاض قاعدة الاستاذ الذكير في دعواه السابقة.
    والعجيب من الاستاذ الذكير وفقه الله انه يفرح بظاهر اي نص يوافق ما يذهب اليه دون النظر والتمحيص والتريث، فهو قد جعل من اخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتيكم زمان تكونون فيه مثل غثاء السيل لا تنفعكم كثرتكم دليل على تقليل النسل وان الكثرة ليست بنافعة، ومما يدرك بأوائل العقول قبل أواخرها ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام بالنظر الى الكيف لا الكم، وان الكثرة اذا لم تكن على مستوى من الوعي وتحمل المسؤولية فلن تنفعها كثرتها.
    وايضاً فإن مسألة الارزاق محسومة من قبل ربنا عز وجل الذي امرنا بالتكاثر والتناسل عن طريق بذل الوسائل في ذلك، ونعى على الكفار الذين يقتلون اولادهم خشية الفقر فقال:نحن نزرقهم وإياكم وفي الآية الاخرى نحن نرزقكم وإياهم وبين تعالى ان رزق كل دابة عنده سبحانه وتعالى فقال: وما من دآبة إلا على الله رزقها وقال وفي السماء رزقكم وما توعدون وقال صلى الله عليه وسلم إن الله قدر مقادير كل شيء قبل ان يخلق السموات والارض بخمسين الف عام خرجه مسلم.
    فمحاولة تغيير الثوابت او تحريكها مسألة لا طائل تحتها، الا زرع الشك، وتكدير الصفو.
    ففرق بين ان ترشد الناس فتزرع عقيدة الايمان بالقدر في صدورهم، وان ربنا تعالى هو المتولي لأمورهم، وانه مصدر كل خير، وكاشف كل ضر، ورازق كل دابة, وبين ان تجعلهم نهباً للأوهام والوساوس وذلك بتخويفهم من المستقبل الذي شأنه بيد من اختص بعلم الغيب سبحانه، فالاول يكون متطلعاً دائماً الى ما عند الله، راجياً عونه ومدده، فهو بهذه العقيدة تجده عالي الهمة، رابط الجأش، اريحي ذا شفافية، ولو عضه الفقر، وأنابه الدهر, واما الثاني فتجده خائفاً قلقاً على الدوام ولو كان غنياً موسراً، قد خيم عليه كابوس الخوف من المستقبل بسبب ما حشي في اذنه وفكره من الافتراضات المبنية على الظن والتخمين، والتي تنذر بسيل قد انعقد غمامه كما يذهب الى ذلك من اعتمد على امثال هذه الفكر.
    وفي الحقيقة لا اريد ان اعيد ما ذكره الاستاذ العُمري من غنى مملكتنا الغالية، ومخزوناتها المتنوعة، واننا بحاجة الى كثافة سكانية تفجر كنوز الارض التي تسبح عليها بلادنا بحمد الله وفضله، بقدر ما اريد ان أذكر به الاستاذ الذكير من ان البركة في التناسل، وانه كلما كثر عدد الاولاد كلما جاء الخير معهم، وتاريخنا القريب اظنه لا يخفى على من يحكم العقل وينحي الهوى جانباً، فكثير من الناس في العهد القريب لا يجد العظام ولا كسرة الطعام فلما استولد جاءه الرزق والخير، وكلما ازداد عدد الاسرة تنامى الرزق وتبارك.
    والاستاذ الذكير اراد النصح، الا انه جانب الصواب، بل وأبعد كثيراً، فالمنتظر منه ومن امثاله من الكتاب الناصحين ان يعالجوا الفروع ولكن من غير اجتثاث الاصول، فالواجب ان يعالجوا كيفية مواجهة التفجر السكاني من منظور شرعي منطلقين فيه من الاصول والثوابت في ديننا، لا القضاء عليه.
    وايضاً ينبغي للمسلم ان يحتضن مبدأ الاعتزاز والاعتداد بالايمان والعقيدة، وان ينأى عن الاستحذاء للغير، ومتابعته في غثه وسمينه، فما يجوز لغيرنا من الامم ربما لا يجوز لنا ولا يحل

    المزيد