ركن المقالات
  • خطورة الغلو في التكفير

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1306

    في أن حكم التكفير لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

    تحدثت في الحلقة السابقة عن سماحة الإسلام ، ويسر الشريعة ، وأن الغلو بجميع صوره يتنافى مع هذه السماحة العظيمة لهذا الدين ، وهنا أشير إلى أن الحكم بتكفير أحد من الناس أحد أنواع الغلو الذي مقتته الشريعة ، ونهت عنه ، ووجود أحكام الكفر في الشريعة لها ضوابط دقيقة ، فهي لا تخضع للأذواق ، والأقيسة ، والآراء ، والأهواء ، وإنما هو حكم شرعي لله ، تعالى ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وليست حماً مباحاً يرتع فيه كل أحد ، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة ، رحمه الله : \\\" التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال ، وسفك الدماء ، والحكم بالخلود في النار ، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية ؛ فتارة يدرك بيقين ، وتارة يدرك بظن غالب ، وتارة يتردد فيه ، ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى ، والمبادرة إلى التكفير : إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل \\\"

    ويقول أيضاً ، رحمه الله :\\\" فلهذا كان أهلُ العلم والسنّة لا يكفِّرون من خالفَهم وإن كان ذلك المخالِف يُكفِّرهم ؛ إذِ الكفر حكمٌ شرعيّ ، فليس للإنسان أن يعاقبَ بمثلِه ؛ كمن كذب عليكَ ، وزنى بأهلِك ، ليس لك أن تكذِب عليه ، ولا تزني بأهله ، لأنّ الكذبَ والزنا حرامٌ لحقّ الله تعالى ، وكذلك التكفير حقُّ لله ، فلا يُكفَّر إلاّ من كفّره الله ورسوله \\\"

    ويقول الإمام العلامة ابن القيم ، رحمه الله :
    الكفر حقُّ الله ثم رسولِه *** بالنصِّ يثبت لا بقول فلانِ
    من كان ربُّ العالمين وعبدُه *** قد كفّراه فذاك ذو الكفرانِ

    ويقول الإمام القرافيّ رحمه الله : \\\" كونُ أمرٍ ما كفرًا- أيّ أمرٍ كان- ليس من الأمور العقليّة ، بل هو من الأمور الشرعيّة ، فإذا قال الشارع في أمرٍ ما : هو كفر ؛ فهو كُفر \\\"

    ولقد جاء في الزجر عن التكفير ، والتخويف من عواقبه وآثاره : نصوص كثيرة في الكتاب العزيز والسنة النبوية ، وفي واحدٍ من هذه النصوص ما فيه أعظم زاجر ورادع لمن لديه أدنى مخافة من الله تعالى من الخوض في هذا المرتع الوخيم .

    قال تعالى : ( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) ، ففي هذه الآية نهى الله تعالى عن التنابز بالألقاب ، والنهي يفيد التحريم ، كما هي القاعدة المقررة عند أهل العلم ، إذا لم يكن ثمة صارف ، ومن التنابز بالألقاب ، إطلاق ألفاظ التكفير والتفسيق على المسلمين .
    قال بن عبدالبر : قال جماعة من المفسرين في هذه الآية : هو قول الرجل لأخيه ، يا كافر ، يا فاسق .

    ولقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيراً شديداً من أخطار الذين يُكفّرون المسلمين ؛ فعن حُذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \\\" إن أخوف ما أخاف عليكم رجلٌ قرأ القرآن ، حتى إذا رُئيت بهجته عليه ، وكان ردئاً للإسلام ، انسلخ منه ، ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك \\\" قال : قلتُ : يا نبيَّ الله! أيهما أولى بالشرك ، الرامي أم المرميُّ ؟ قال : \\\"بل الرّامي \\\".

    ومما يدلنا على فظاعة التكفير ، وسوء عاقبته ، أن المرمي بالتكفير إذا لم يكن مستحقاً لهذه الكلمة رجعت على قائلها ـ عياذاً بالله تعالى ـ فكان أولى بها وأهلها .

    فعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \\\" إذا قال الرجل لأخيه: يا كافرٌ ، فقد باء بها أحدهما \\\" . قال بن عبدالبر في قوله صلى الله عليه وسلم ( باء بها ) : \\\" أي احتمل وزرها ، ومعناه أن الكافر إذا قيل له : يا كافر ، فهو حامل وزر كفره ، ولا حرج على قائل ذلك له ، وكذلك القول للفاسق : يا فاسق ، وإذا قيل للمؤمن : يا كافر ، فقد باء قائل ذلك بوزر الكلمة ، واحتمل إثماً مبيناً وبهتاناً عظيماً ، إلا أنه لا يكفر بذلك ، لأن الكفر لا يكون إلا بترك ما يكون به الإيمان \\\"

    وعن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \\\"لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدتْ عليه إن لم يكنْ صاحبه كذلك \\\" . وفي رواية لمسلم : \\\" من دعا رجلاً بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك إلا ارتدت عليه \\\"
    وعن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله
    صلى الله عليه وسلم قال : \\\"سبابُ المسلم فسوقٌ ، وقتاله كفرٌ \\\" .

    وهذا غيض من فيض مما ورد في الزجر عن التكفير ، والنهي عن تقحم هذا الباب الخطير ، مما يجعل المؤمن ـ الذي يرجو ما عند الله ويخاف موعوده ـ يتورع في دينه ، ويخلص لربه ، وينقاد لنبيه r ويفر من التكفير فراره من الأسد ، وعليه أن يكون : تواباً ، أواباً ، يكثر من البكاء على خطيئته ، والندم على ذنبه ، وأن يحمل السلامة للمسلمين بقلبه ، ولسانه ، ويده .

    يتبع بإذن الله .

    المزيد
  • خطورة الغلو في التكفير

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1480

    في تهيب العلماء من مسألة التكفير .

    ولأجل ما سلف كان أهل العلم يتهيبون ولوج هذا الباب الخطير ، ويرون أن الحكم على المسلم بالكفر دونه عقبات ومفاوز ، ويرون أن من ثبت إسلامه بيقين ، لا يُنفى عنه إلا بيقين ، وهذا اليقين النافي لا بد أن يكون مثل الشمس في رابعة النهار .
    ومع كل هذا !! فأهل العلم والدين يحتاطون للدماء ، فيجعلون الحكم فيه إلى القضاة والمفتين ، لما يترتب على التكفير من الأحكام العامة والخاصة ، فمن كفر أحداً من المسلمين ، وهو غير ذي ولاية ، فهو مفتات على ولاة الأمر ، يستحق العقوبة الزاجرة ، لكون هذا الأمر يجر إلى الفساد العريض ، والهرج الكبير ، فقد يكون بين شخص وآخر خصومة دنيوية ، أو شيئاً من مخبآت النفوس ، فيحاول الانتقام منه عن طريق تكفيره ـ عياذاً بالله ـ والسوابق التاريخية ، والممارسات المعاصرة من بعض من ينحو منحى التكفير خير شاهد ودليل ، ولذلك يُقتصر في الحكم على الآخرين من جهة الردة وعدمه على ولاة الأمور ، ومن يستمد سلطته من ولي الأمر .

    وعبارات العلماء في خطورة التكفير ، وتعظيم الخوض فيه لا تخفى على مطلع ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : \\\" فليس لأحدٍ أن يُكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلِط ، حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة . ومن ثبت إيمانه بيقين لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة\\\" ا.هـ

    وقال الغزاليّ رحمه الله : \\\" والذي ينبغي الاحترازُ منه التكفيرُ ما وجد إليه سبيلا ، فإنّ استباحةَ الدماء والأموال من المصلِّين إلى القبلةِ المصرّحين بقول : لا إله إلا الله محمّد رسول الله خطأ ، والخطأ في ترك ألفِ كافرٍ في الحياة أهونُ من الخطأ في سفكِ دمٍ لمسلم \\\"

    وقال ابن الوزير اليماني رحمه الله : \\\" وفي ضوء ذلك ما يشهد لصحة التلفظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات ، وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام ، وتجنبه للكبائر ، وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدع ، لعل المكفر له لا يسلم من مثلها ، أو من قريب منها ، فإن العصمة مرتفعة ، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلاً ولا شرعاً، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم ، والاستحسان لبدعتهم، وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروا أول مرة من ذلك كما حكى الله تعالى ذلك في قوله: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) وهي من عجائب العقوبات الربانية ، والمحذرات من المؤخذات الخفية قال تعالى : ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وقد كثرت الآثار في أن إعجاب المرء بنفسه من المهلكات ؛ كما في حديث أبي ثعلبة الخشني عن ابن عمرو مرفوعاً (ثلاث ملهكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) ا.هـ .
    وإن مما يؤسف له ما نشاهده من بعض من تقحم هذا الباب الخطير ، من أنصاف وأرباع المتعلمين وذلك من تورعهم وفرارهم من الفتوى في أبواب الطلاق ، وفي أبواب الأسهم والمعاملات ، وادعاءه عدم العلم ، أو الإلمام بها ، وضرورة التريث والتأني والنظر !! وفي المقابل جرأتهم العارمة في الخوض في المسائل الثقال ، والتي هي أشد على النفس من حمل الجبال ؛ كالتكفير ، والتفسيق ، والتبديع ، والتضليل !! نسأل الله السلامة !!
    وهذه المسألة من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة المقتفين آثار السلف الصالح ، فهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ، عالماً معنى الاستحلال ، وكلامهم في هذا مشهور غير منكور ، فعن أبي سفيانَ قال : سألتُ جابرًا ـ يعني بن عبدالله ـ وهو مجاورٌ بمكّة : هل كنتم تزعُمون أحدًا من أهل القبلة مشركًا ؟ فقال: معاذ الله ، وفَزع لذلك ، فقال رجلٌ: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرًا ؟ قال: لا .
    قال الإمام الطحاويّ ـ رحمه الله : \\\"ولا نكفّر أحدًا من أهل القبلةِ بذنبٍ ما لم يستحلَّه \\\" قال ابن أبي العزّ ـ رحمه الله ـ معلقاً على قول الطحاوي هذا : \\\"إنّ بابَ التكفير وعدم التكفير بابٌ عظُمت الفتنةُ والمحنةُ فيه ، وكثر فيه الافتراق ، وتشتتت فيه الأهواء والآراء ، وتعارضَت فيه دلائلُهم ، فالنّاس فيه على طرفين ووسَط ـ ثم حكى الخلاف ـ ثم قال : وإنه لمن أعظمِ البغي أن يُشهَد على معيَّن أن اللهَ لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلّده في النار\\\"

    وقال الإمام النوويّ رحمه الله: \\\" اعلم أنّ مذهبَ أهل الحقّ أنه لا يكفَّر أحدٌ من أهل القبلةِ بذَنب ، ولا يُكفَّر أهلُ الأهواء والبدَع وغيرُهم \\\"
    وقال الإمام الشوكاني رحمه الله : \\\" اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه ؛ إلا ببرهان أوضح من شمس النهار ، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة ( أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) هكذا في الصحيح وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما ( من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ) أي: رجع وفي لفظ في الصحيح (فقد كفر أحدهما) ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير...\\\"ا.هـ.

    ومن أهم قواعد عند أهل السنة في هذا الباب أنهم لا يُكفرون باللوازِم من الأقوال ، فلازم القول والمذهب عندهم غير لازم ، ولا يحكمون على ما يمكن أن تؤول إليه الأفعال ، وإن كانوا ينهون عنها سداً للذريعة .

    يقول الإمام الشاطبيّ ، رحمه الله : \\\"مذهبُ المحقِّقين من أهلِ الأصول أنَّ الكفرَ بالمآل ليسَ بكفرٍ في الحال\\\"

    وقال الحافظ ابن حجر: \\\" إنَّ الذي يُحكَم عليه بالكفر مَن كان الكفرُ صريحَ قوله ، وكذا من كان لازمَ قوله وعُرِضَ عليه فالتزمَه ، أمّا من لم يلتزمه وناضَل عنه فإنّه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا\\\" .

    يتبع بإذن الله

    المزيد
  • خطورة الغلو في التكفير

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1218

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
    فإن شريعة الإسلام شريعة عظيمة ، قائمة على السماحة واليسر ، وعلى التوسط والاعتدال ، فهي حسنة بين سيئتين ، وهدى بين ضلالتين ، وفضيلة بين رذيلتين ، لا إفراط فيها ولا تفريط ، ولا غلو ولاجفاء ، قال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) أي : عدولاً خياراً . ونصوص الكتاب والسنة مستفيضة ببيان سماحة الشريعة ويسرها ، والسماحة في أحكامها واضحة جلية لكل من تتبعها في أصولها وفروعها ، وكتاب الله تعالى قد زخر بالنصوص التي تدل على هذا الأمر وتؤيده ، ومن ذلك :
    قول الله تعالى : ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) .
    وقال تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ولعلكم تشكرون ) .
    وقال تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) .
    وقال تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) .
    وقال تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ) .
    وقال تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) .
    وإذا ما تصفحنا دواوين السنة الشريفة : نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بالسماحة واليسر والرحمة بالخلق أجمعين ، كيف لا ؟! وقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين ، قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) فهو رحمته المهداة لعباده ، وقد وصفه الله تعالى بأبلغ من ذلك حيث : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) . أي : شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين أجمعين ، فهو أرحم بهم من والديهم .
    ولقد كان صلى الله عليه وسلم في حياته كلها يأخذ باليسر والسماحة في : أقواله ، وأفعاله ، وتقريراته . فعن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا ) . وعن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثماً ، فإن كان إثماً كان من أبعد الناس عنه 00 ) .
    وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت بالحنيفية السمحة ) . وعنها أيضاً ، رضي الله عنها ، قالت : قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينـزع من شيء إلا شانه ) .
    والنصوص في الكتاب والسنة في تقرير هذه المسألة أشهر من أن تذكر ، وأكثر من أن تحصر ، فمن القواعد المتفق عليها بين الفقهاء في المذاهب الأربعة أن :
    ( المشقة تجلب التيسير ) . وأن ( الأمر كلما ضاق اتسع وكلما اتسع ضاق ) .
    وأنه ( لا حرام مع الضرورة ولا واجب مع العجز ) . ويذكرون على هذا تطبيقات عملية كثيرة في كتب الفقه ، ليس هذا مجال استقصائها .
    ولكن من أعظم صور السماحة واليسر في هذه الشريعة ، نهيها عن الغلو في الدين ، لأنه منافٍ لسماحة الإسلام ، ومضاد لمقاصده ، ولقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة ، في التحذير من الغلو في الدين ، وبيان عواقبه ، قال تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) . فهذا الخطاب وإن كان لأهل الكتاب ، فالمسلمون داخلون فيه بطريق الأولى ، لأن ما حرمه تعالى في كتابه على أهل الكتاب ، وليس فيه ما يدل على أنه خاص بهم ، فهو حرام على جميع المسلمين لا سيما وأن الغلو ممقوت في جميع الشرائع ، ومما يؤيد ما سبق بيانه أن النبي r حرم الغلو ، وأشار إلى أن ما حصل من هلاك لمن سبق من الأمم ؛ إنما كان بسبب الغلو في الدين ، فقد روى ابن عباس ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) وقد تكاثرت النصوص الشرعية في بيان خطورة الغلو في الدين على الاستقامة فيه ، فالله تعالى أمر بالاستقامة فقال : ( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ) والاستقامة هي : الاعتدال من دون انحراف ولا تقصير .
    فلما أمر جل وعلا بالاستقامة ، أعقبها بالنهى عن الطغيان ، والطغيان هو مجاوزة الحد في كل شيء ، والغلو : يأتي في أعلى درجات سلم الطغيان ، وهو تعدٍ صريح لحدود الله تعالى ، وقد بين تعالى أن المتعدين لحدوده ظالمون ، قال تعالى : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) .قال ابن القيم ، رحمه الله : \\\" ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه ، والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ، فكما أن الجافي عن الأمر مُضيع له ، فالغالي فيه مضيع له ، هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد \\\"
    ولأجل هذا أخبر النبي r بهلاك المتنطعين ، فعن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هلك المتنطعون ـ قالها ثلاثاً ) قال النووي :\\\" أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم \\\" .
    أقول : ومع هلاكهم فهم محرومون أيضاً من شفاعة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فعن معقل بن يسار ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله r : ( صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي : سلطان ظلوم غشوم ، وغالٍ في الدين ، يشهد عليهم ويتبرأ منهم )
    والغلو هو : مجاوزة الحد في كل شيء ، وأخطر شيء يحصل فيه الغلو حينما يكون في الدين ، والغلو في الدين أيضاً مراتب من أشنعها وأقبحها وأخطرها ، هو : الحكم على المسلمين بالكفر وإخراجهم من الملة بغير دليل من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم .
    وحديثي في هذه الحلقات يدور كله حول هذا النوع من الغلو ، والذي يمثل جزئية من المعنى العام للغلو في الدين ، فقد أردت التنبيه عليه ، وبيان خطورته ، وآثاره ، والإشارة إلى أهم الضوابط عند أهل السنة والجماعة السائرين على طريقة السلف الصالح في هذا الباب العظيم ، وذلك بشكل مختصر ، يعتصم فيه المسلم الموفق ـ بإذن الله تعالى ـ من الانحراف والزلل .

    يتبع بإذن الله .

    المزيد
  • الموضوعية عند علماء اهل السنة ( ابن تيمية أنموذجاً )

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1088

    يمتاز علماء أهل السنة والجماعة عن غيرهم بالإنصاف والموضوعية في نظرتهم للآخرين، ومناقشة عقائد المخالفين، ومذاهبهم وآرائهم، ولا يحملون ظلم المخالف وتجنيه عليهم مقابلته بنفس الأسلوب والطريقة، فلا يردون الباطل بالباطل، ولا يقابلون الفاسد بالفاسد، فهم ينطلقون من مبادئ شرعية، وقيم إسلامية تمنعهم من الضياع بين عاصفة البغض أو عاطفة الحب، فهم وسط في كل شيء بين الافراط والتفريط، لا يقفزون على الحقائق، ولا يُحمّلون الأشياء ما لا تحتمل من المبالغة والتهويل، فتجد من قواعدهم ان لازم مذهب الرجل ليس بلازم، وإن كانوا يستخدمونه في المناظرة كأسلوب من أساليب إفحام الخصم لكنهم لا يعدونه مذهباً له، وأيضاً حمل الكلام المبهم على أحسن المحامل، وإيجاد المعاذير الممكنة في تفسير الألفاظ الصادرة عن عالم يستمد كلامه من أصول شرعية مبنية على الدليل، وخير من يمثل هذه المدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وسبب شهرته في هذا الجانب انه من أكثر العلماء الذين ناظروا في الفروع والأصول، وخاض معارك طاحنة مع أهل البدع والزندقة، وتمثّل كتبه أصولاً لأهل السنة في الرد على المخالف، حتى بلغ ببعض المخالفين له أن أفتى بقتله لما تمكّن منه عند السلطان بعد وشاية مغرضة، ومكيدة فاسدة، ليمثّل هذا المخالف أنموذجاً من التخلّف والانهزامية والإفلاس، بسبب ضحالة العلم، وهشاشة التأصيل، وغلبة الهوى على النفس، ويبقى لهذا الصنف أتباع تظل الأمة تعاني منهم، ويشكلون لها أزمة على الدوام والاستمرار، قد انفرط عقد ثباتهم وتحولوا إلى مُتصدرين للحزِّ والقطع، والولوغ في الأعراض دون أدنى مُسوّغ، نعم قد يتكئون على نصوص شرعية، وقواعد علمية عامة يتسترون خلفها، لكنها لا تسعفهم أبداً فيما يذهبون إليه، بل هو العبث العلمي، والقفز على الحقائق، وتلويث البيئة العلمية النظيفة بظلم من القول.
    والمستقرئ للهجمة الشرسة التي شنها ويشنها خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب يظهر له بجلاء حقيقة ما أقول، وقد بيّنت شيئاً من هذا في مقال سابق.
    بينما شيخ الإسلام ابن تيمية لما تمكن من هذا المخالف الذي فقد أبسط درجات الالتزام الخلقي والأدبي والعلمي، بعد ما دالت الأمور، وتغيّرت الأحوال، وأصبح هذا المخالف رهين حكم ابن تيمية، وقيل له ما ترى فيه، قال: «نعفو عنه» ليمثّل ابن تيمية بهذا العمل المنهج الطاهر المستمد من مشكاة الأنبياء: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم»، «اذهبوا أنت الطلقاء» «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، والذي عليه أهل السنة والجماعة على الدوام.
    لقد بلغ التزام الإنصاف والموضوعية عند شيخ الإسلام ابن تيمية أن يصحح للمخالفين أصول منهجهم، نعم! قد يفرح المرء بزلة المخالف، لا سيما إذا جاءت من تلميذ ينقل عن أستاذه، أو من مجتهد في مذهب ما من المذاهب المخالفة، لكن هذا المنهج عند أهل الإنصاف والعدل كابن تيمية وأضرابه من علماء أهل السنة والجماعة غير مرتضى، فهو ينهى كثيراً ممن يناقشهم من أصحاب المدرسة العقلية إلى عدم التجني على أساتذتهم، ويفهمهم انهم لا يقولون بهذا القول، وأن أصولهم لا تقبل هذا التخريج، ولا ذاك التوجيه، والمستقرئ لرسائله رحمه الله يجد هذا المسلك ظاهراً في سائر كتبه ورسائله، ولو تتبع بالبحث لخرج في مجيليد.
    وكثيراً ما يرد رحمه الله على العلماء الذي يُلزمون المخالف بما لا يمكن أن يلتزمه فيما لو طولب، حتى ان كثيراً من هذه الإلزامات عن هذه الفرق والمذاهب ما تزال يعدها البعض من مذاهبهم، لكن ابن تيمية يغلط من يلزمهم بما ليس بلازم، أو يتقوّل على ألسنتهم، فلقد رد على ابن حزم حينما قال إن الكرّامية يقولون إن الإيمان هو إقرار اللسان بالله تعالى وإن اعتقد الكفر بقلبه فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة، ونسبه إلى محمد بن كرّام، فقال ابن تيمية: «وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة وهو غلط عليهم».
    ولا يعني بالضرورة أن ابن تيمية يدافع عن الكرّامية، فهو يعدّهم من الفرق الضالة، ولكن ضلال هذه الفرقة لا يسوغ أبداً التجني عليهم، أو الزامهم ما ليس بلازم.. بل يصل الحال بابن تيمية إلى الدفاع عن أئمة المذاهب الأربعة في المسائل الفروعية، ومن تجني فقهاء المذهب عليهم في تخريج المسائل، وجعلها أقوالاً بما لا يتفق مع أصول إمام المذهب.
    وفي الحقيقة لا يستغرب المرء من ضياع الموضوعية والإنصاف عند أهل الأهواء والبدع، لأن هذا وصف لازم لهم في الغالب، لكن المُستغرب فعلاً هو عندما يقع بعض أهل السنة في جنس ما يقع فيه أهل الأهواء، من المماحكة، والقفز على الحقيقة، وتحريف الكلام، وتحميله ما لا يحتمل.
    وفي تقديري أن غياب الموضوعية لدى هذا النوع راجع إلى أسباب أهمها:
    ضعف مراقبة الله تعالى، وعدم محاسبة النفس على ما يبديه الإنسان ويخفيه، وهشاشة التأصيل العلمي والمنهجي، والتعصب الأعمى، وذلك بنصب أقوال الرجال للانتصار، والنظر إلى القائل لا إلى القول، ومصادرة الكلام، والغاء الطرف المقابل، وادعاء المعرفة التامة، والتوهم بأن ما لدى الإنسان من معلومات وأحكام قد وصلت إلى مرحلة اليقين في ظنه، ولا أنسى الهوى الذي يتجارى في النفوس كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه.
    وان الخروج من هذا الواقع المنحرف لدى هذه الشريحة الغائبة عن ساحة العدل والإنصاف، لا يكون إلا بمراقبة الله تعالى في جميع الأحوال، وأن يستشعر المرء على الدوام أن الله تعالى مطلع عليه، عالم بخلجات صدره وما يكنه ضميره، وأنه يجب عليه أن يأتي الناس بمثل ما يحب أن يأتوه به، وأن يعلم أن سلوك العدل والإنصاف مع الاخرين يعد انتصاراً على النفس الأمارة بالسوء والشيطان، وتحقيقاً واتباعاً لما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتجاوزاً للمسالك الضيقة، إلى الفضاء الرحب من المروءة والاحسان والشهامة، وينبغي على المرء أيضاً أن ينظر في سيرة السلف الصالح الذين سطروا أروع الأمثلة في هذا الجانب المهم، وقد يكون من المفيد مطالعة ما كتبه الذهبي في سير أعلام النبلاء لكثير من أئمة الإسلام، الذين فتحوا أقنية الحوار مع الآخرين طلباً للحق، لا لحظوظ النفس، وفي تقديري ان إشاعة سير هؤلاء العظماء بين الناس، وذكر ما هم عليه من خلال ما ترجموه من أقوال وأفعال في هذا الجانب بالخصوص تشكّل محاصرة لهذه الظاهرة السلبية الخطيرة، وتطبيقاً نموذجياً لفقه الخلاف والله يتولى السرائر

    المزيد
  • ضرورة التأصيل والتقعيد عند الداعية

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1027

    يعظم قدر الداعية الى الله ويشرف بقدر احاطته بالنصوص الشرعية، وتتبع اقوال السلف فيها، والمامه بالقواعد والضوابط والاصول العامة للدين، ومعرفة اقوال اهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، ومعرفة مقاصد الشريعة، لانه يخاطب الناس، ويتحدث الى شرائح متنوعة في المجتمعات، وهذه الشرائح مختلفة ومتباينة في تركيباتها العقلية والنفسية، وفي قوة استعدادها وسرعة قبولها، وفي تباين منطلقات ثقافاتها، وايديولوجياتها المختلفة، ولذلك تجد الُملم بقواعد الدين واصوله اقرب الناس الى روح السلف الصالح، والالصق الى لغتهم في التعبير، ولهجتهم في الخطاب، فهو يعرف ما حقه التقديم، وما حقه التأخير، ويعرف خير الخيرين وشر الشرين، لان معرفة الخير من الشر لا تحتاج الى اعمال فكر وتعب، ولا يتميز شخصٌ بانه يعرف الخير من الشر، لان هذه تتدرك بمقدمات العقول قبل اواخرها وباستطاعة كل ذي عقل ان يدركها، انما الذي يحتاج الى اعمال فكر وتعب هو معرفة خير الخيرين وشر الشرين، وايهما احق بالتقديم او التأخير.

    ان اللبيب اذا بدا من جسمه
    مرضان داوى الاكبرا

    والداعية الذي له صلة بالقواعد والضوابط الشرعية، والاصول المرعية، التي قعدها السلف الصالح، وهم الذين امرونا بالاقتداء بهم، والسير على طريقهم، والتسليم لفهمهم، في جميع اموره واحواله ويجعلها منطلقاً له في دعوته وتوجيهه الناس سيوفق باذن الله، وقد احسن من انتهى الى ما قد سمع.
    ولذلك تجد السالك لهذا المنهج: ثابت الجنان، لا تعصف به الفتن، ولا ترديه الاهواء، بل هو كالطود الشامخ، والوتد الراسخ، لانه يمتح من نبع لم تصله دلاء الآخرين، فالقواعد والاصول التي لديه تمنع العاطفة من التطويح به بعيداً، او اسقاطه في هوة الجاهلين وهو في هذا السبيل قادر على تحسس مالم يستطعه غيره، واكتشاف مالم ينله سواه من الاساليب الثرة التي جاءت بها شريعتنا السمحاء والتي من اعتصم بها لن يضل ابداً.
    وايضاً المتمكن من هذه القواعد والضوابط والاصول يلحظ ان بينه وبين الجمهور تفاعلاً قوياً، وقبولاً واضحاً يظهر ذلك في مرونته في التعبير، ولهجته في الخطاب، وتبيين الاحكام، وازالة الاشكال الحاصل في اذهان المسترشدين، بعيد كل البعد عن الاسلوب الرتيب، والطرح المألوف من الطريقة الجامدة على وتيرة واحدة، بل تجده يعمل تلك القواعد في خطابه وفتواه وحكمه، حسب مقتضيات الحال، فتجده في الغالب معتدلاً، متزناً، محتاطاً، محققاً المناط في الاشخاص مجتهداً فيهم، لا يصبغهم في حكم واحد في غير القطعيات من الدين على تفصيل ليس هذا مجال بسطه.
    يقول ابن تيمية:« فالعالم تارة يأمر، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الامر او النهي او الاباحة، كالامر بالصلاح الخالص او الراجح، او النهي عن الفساد الخالص او الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح كما تقدم بحسب الامكان، فاما اذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: اما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن ازالة جهله وظلمه، فربما كان الاصح الكف، والامساك عن امره ونهيه، كما قيل: ان من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في اول الامر عن الامر باشياء، والنهي عن اشياء حتى علا الاسلام وظهر، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لاشياء الى وقت التمكن، كما اخر الله سبحانه وتعالى انزال آيات، وبيان احكام الى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً الى بيانها» ا.ه 20/58
    وان المرء وهو يستعرض كثيراً من القضايا والمستجدات والحوادث والفتن في زماننا هذا، ليجد ان غالب ما يصدر من احكام وتعليقات وتقريرات من العاملين في حقل الدعوة ان العاطفة فيها غالبة على العلم والعقل، وهذا امر يعكس لنا مدى بعد الناس عن العلم الشرعي، وعن منهج السلف الصالح.
    ولذلك ادعو نفسي وكل عامل في حقل الدعوة الى الله تعالى، وطلبة العلم في كل مكان الى رعاية القواعد والضوابط الشرعية التي يعتصم بها المسلم من الفتن، لان الفتن اذا لم يرع حالها، ولم ينظر الى نتائجها فان نهاية الحال ستكون سيئة، واهم شيء في هذا الوقت بالخصوص الذي حصل فيه من الفتن ما اذهب بالالباب: المحافظة على الاجتماع والحذر من الافتراق وتفعيل هذا الجانب، وهذا ما يميز اهل السنة والجماعة عن غيرهم، وبتتبع النصوص الشرعية والقواعد العامة نجد ان هذا الاجتماع لا يتحقق، الا باشياء منها:
    طاعة ولاة الامر، وجمع القلوب عليهم، واعتقاد ان هذا من الدين، ولذلك نجد اهل العلم من اهل السنة والجماعة يعقدون في كتب العقائد ابواباً في وجوب طاعة ولاة الامر في غير معصية الله، وذلك لاهميته وخطورته في الوقت نفسه، وانه بسبب الجهل به حصل الشر العظيم والفساد الكبير ندرك هذا من خلال استشهاد التاريخ واستنطاق الواقع، فولاة الامر في مركز القيادة والذي في هذا المركز قد يرى ما لا يرى غيره، يقول تعالى:« يا ايها الدين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم» ومما يتحقق به الاجتماع مشاورة اهل العلم المشهورين بتمام النصح وشدة الاتباع، والصدور عن رأيهم، ولو كان فيه نوع مخالفة لهواك يقول تعالى:«ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» فالعلماء هم صمام الامان باذن الله للامة من ان تزيع او تهلك، فطاعتهم حتم لازم في غير معصية الله تعالى لانهم اصحاب بصر نافذ، وقد ينطق الله الحكمة على السنتهم، وحكمهم يرفع الخلاف كما قرر غير واحد من ذوي التحقيق من اهل العلم. وقد جربت الامة مواقف العلماء في القديم والحديث مع الفتن كيف قادوا الامة الى بر الامان، بعيداً عن الانفعالات والحماقات والمغامرة.
    وايضاً مما يتحقق به الاجتماع: السعي في جمع القلوب، وازالة الشحناء من النفوس، والتفريق بين الخلاف المعتبر وغير المعتبر، وعدم الاستعجال في اطلاق الاحكام بل لابد من التريث، وتصور حال الفتن ودراسة التاريخ والنظر في احوال الماضين لاخذ الدروس والعبر، لان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والرجوع الى كلام اهل العلم فيها، وانني اوصي بقراءة ما كتبه العلامة الشيخ صالح آل الشيخ في كتابه العجاب «الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن» فمن طالعه ونظر فيه وتأمله انشرح صدره لحل كثير من المشكلات وفك المعضلات، واهم شيء في هذا اللجوء الى الله والانطراح بين يديه وسؤاله على الدوام الهداية والتوفيق فانه نعم المولى ونعم النصير، وما خاب من التجأ الى ركنه.
    والحمد لله اولاً وآخراً .

    المزيد
  • القصة : وأثرها في الوعظ

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 886

    من أفضل أساليب الوعظ الأسلوب القصصي، القائم على القصة الصحيحة من الكتاب والسنة النبوية، وهذا الأسلوب طريقة قرآنية، ومسلك نبوي، والمتتبع لنصوص الوحيين يجد هذا ظاهراً.
    النفس البشرية مجبولة على محبة القصص، والميل إليها، وربطها بالواقع المعايش، وهي أكثر تأثيراً من غيرها من الأساليب في الغالب، ولذلك تجد بمجرد سردها تقبل الأسماع إليها، وتنشط النفوس معها، وتتأثر بمضامينها تأثراً عظيماً، فالنفوس مولعة بمتابعة القصة، لاسيما جنس العامة، وقد يكون من السهل سرد القصة وحكايتها، ولكن شتان بين من يسوق القصة لايزيد طنينها عن أن يعبر الأسماع كسحابة صيف، ولا يمكن ان تحرك في المستمع شيئاً، وبين من يسوق القصة نفسها، ولكنه يجعلها نابضة بالروح، ضاربة بأعماق المستمع، محركة له قسراً بالتفاعل معها، يربط فيها القاص من يستمع إليها بحلقات الإبداع والتشويق، وذلك من جهة استعمال نغمات الصوت خفضاً ورفعاً، ومن جهة التركيز على سبكها وربطها، وجمع شتاتها، ولملمة أجزائها ومن جهة إخفاء ما يمكن اخفاؤه من أركان القصة لتشويق المستمع، وجذبه حتى نهايتها.
    فمهمة الواعظ سلوك هذا الأسلوب حسب الحاجة، ويجب عليه أن يُحسن التعامل مع القصة، وذلك باعتماد الصحيح، وترك المكذوب ويلزمه أيضاً أشياء، من ذلك: معرفة الناسخ منها والمنسوخ، ومعرفة سبب ورود القصة، فقد تكون القصة سبقت في قضية عين (شخصية) لا ينسحب حكمها إلى الآخرين، وليبتعد عن الغرائب والأعاجيب من القصص، وأيضاً من الفقه معرفة مدارك السامعين، ومدى استيعابهم للقصة، وليحذر أشد الحذر من ان يجعل الناس يخرجون وقد استفادوا حكماً مغلوطاً من قصته، تترتب عليه مفاسد تربو على مصلحة التحدث بها، فإن أحدنا قد تعجبه قصة ما، ثم يقدم على الحديث بها، ثم يرى بعد التدبر أنه اسقط من حساباته أشياء كان الشرع والعقل يوجبان عليه فيها التأني والتروي، وذلك خشية أن تفهم القصة في غير سياقها الصحيح، والأمثلة على ذلك كثيرة {ومّا يّعًقٌلٍهّا إلاَّ العّالٌمٍونّ}

    المزيد