ركن المقالات
  • اذا وعظت فأوجز

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1254

    قد كانت العرب في الخطابة تهرب من التطويل إلى الاختصار، ومن الإطناب إلى الاقتضاب، لعلمهم أن الكلام المختصر أقوى من التأثير، وأسرع للحفظ، وأنه علامة على تمكن الخطيب، ولذا كان الخطيب فيهم هو من يوجز العبارة، ويترك وحشي الكلام.
    وهذا المنهج أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله، فلقد أوتي جوامع الكلم، وكانت خطبه ومواعظه قصداً، وعباراته سهلة على الاسماع، مفهومة غير معقدة، مستعذبة حلوة، يكاد يحصيها العاد، وهكذا الخلفاء من بعده، وأهل العلم والدين على هذا المسلك.
    وعنوان هذا المقال هو عبارة عن نصيحة أهدتها أم المؤمنين عائشة إلى الإمام الفاضل عبيد بن عمير حيث قالت له:«إذا وعظت فأوجز فإن الكلام الكثير ينسي بعضه بعضاً» وهو منهج عظيم ينبغي لكل من يتصدر للخطابة والوعظ والتذكير أن يتبعه، وحسبنا إدراكاً أن جميع الناس على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم يميلون إلى الخطيب الذي يختصر الكلام، ويضغط العبارة، وينتقي البليغ من القول، بعيداً عن التقعر والتمطيط، فكلامه أدعى إلى القبول، وأقوى في التأثير، وأرسخ في ذهن الموعظ، وأيضاً الرغبة الأكيدة من الجمهور في محبة الاستماع إليه على الدوام.
    بخلاف من يذهب مذهب التطويل والاستطراد، والتفريع في الوعظ، يشعرك وأنت تستمع إليه أنه يريد جمع أحكام الدين كله في مقام واحد، فإن الملل يتسلل إلى نفوس الموعوظين، والتململ والتضجر، ومحاولة التفلت من الاستماع ظاهرة عليهم.
    ولذلك أهم شيء على الواعظ أن يسلكه، لأجل الإيجاز والاختصار هو استعمال بعض الأساليب والأدوات منها.
    أولاً: الاكتفاء بدليل واحد من الكتاب وآخر من السنة يتعلق بالموضوع، فالبعض يسرد عشرات الأدلة من الكتاب والسنة والتي كلها تصب في الموضوع ذاته، وبالإمكان الاكتفاء بواحد يؤدي الغرض، وينبه على الحكم أو المقصود.
    ثانياً: الاكتفاء بنقل قول أو قولين لبعض السلف أو العلماء يخدم الموضوع ذاته، ويراعى في القول أيضاً أن يكون مختصراً، أو يختار محل الشاهد إذا كان الكلام طويلاً.
    ثالثاً: وضع تصور مسبق، ورؤية واضحة عما يريد الواعظ التحدث عنه، فالخطبة والموعظة تتكونان من مقدمة وجسم وخاتمة، ومن يعلم من نفسه تفلت الكلام منه أثناء الموعظة، أو يعلم أنه يستطرد كثيراً أن يحصر مفردات موعظته في قصاصة صغيرة تضبط له مسار الحديث.
    رابعاً: الإكثار من القراءة، والنظر في كتب السلف وخطبهم ومواعظم، وأيضاً كتب الأدب والبلاغة التي تورث المرء معرفة تامة بالألفاظ، والتعامل مع العبارات، فإن المراس على مثل هذا الأسلوب يورث الخطيب أسلوباً جديداً من الحديث يقوم على الاختصار والإيجاز..والله أعلم

    المزيد
  • الأساليب الإلقائية في المناشط الدعوية

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1123

    إن من علامة النجاح للداعية أن يكون بصيراً بالأساليب الدعوية التي يقوم بها، ولنأخذ مثالاً واحداً لذلك، وهو: الأسلوب الخطابي في المناشط الدعوية، فالأساليب الإلقائية تختلف حسب نوعية المنشط الذي يقوم به الداعية، فمن علامات النجاح للداعية أن ينوع أسلوبه الخطابي من منشط لآخر، وفق دلالات المعنى الذي يقتضيه المنشط، وألا يسير على وتيرة واحدة في الإلقاء، سواء في المنشط الواحد، أو في المناشط المتنوعة، فما تحدثه لغة الصوت من أثر في نفسية المستمع، من: قوة وشدة، ونعومة ولين، وخفض ورفع، وما يصاحبها من وضع انفعالي يتناغم مع الحركة والصوت، أمر في غاية الأهمية والضرورة، وأثره يلمسه المراقب والمهتم والمنشغل في ميدان الدعوة، والمستقرئ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد هذا ظاهراً.
    وفي الحقيقة أصبحنا نشاهد خلطاً كبيراً لدى شريحة من الدعاة، والخطباء في العالم الإسلامي، بين هذه المناشط من جهة الالتزام بالمنهج الشرعي لها ومن حيث أسلوب الأداء.
    فخطبة الجمعة مثلاً قائمة على التنبيه، ولذلك وصفت خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالاختصار، والإيجاز، والقصد، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر خطبة الرجل وطول صلاته علامة على فقهه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل في خطبة الجمعة رفع الصوت، حتى يصفه بعض الصحابة بأنه إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه، كأنه منذر جيش، يقول صبحكم أو مساكم، وكان كلامه سهلاً مستعذباً، لا تمله الأسماع، يفهمه كل من سمعه.
    وأصبحنا نشاهد بعض المخالفات الظاهرة لدى شريحة كبيرة ممن يرقون أعواد المنابر، وأذكر هنا ما يتعلق بالأسلوب الخطابي، من ذلك:
    الإلقاء المجرد عن الحماس والانفعال المنضبط بالقواعد الشرعية، والأصول المرعية، وجلب اهتمام المصلي وتفاعله مع الخطيب، حتى إن النوم ليتسلل إلى المستمع بسبب برودة الإلقاء وضعفه، خاصة إذا صاحب ذلك قراءة الخطبة من ورقة.
    سرد خلاف أهل العلم في المسائل الفقهية، فتجد البعض يفصل لك في المسألة بسرد خلاف الفقهاء، وينتقل إلى الترجيح عن طريق المسالك العلمية، والمدركات، وفي الحقيقة أن المنبر ليس مكاناً لهذا التفصيل، والعرض للمسائل الخلافية، ولا يخفى أن أغلب الحضور من العامة، فإيقافهم على هذا النمط من التعليم إفساد لهم، وتشتيت لأفكارهم، وزعزعة لثوابتهم.
    من الممكن أن تكون هيبة الصعود على المنابر قد زالت في هذا الوقت، بسبب عوامل عدة، من ذلك توفر الخطب المكتوبة، وانتشار الكتب والبرامج التي تدرب على الخطابة، ولكن يلحظ أن بعض الخطباء أصبح يخلط بين الخطب الشرعية، والخطب العامة، كالحفلية، والسياسية، والوعظية، فتجد مثلاً بعض الخطباء في الجمعة يستخدم أساليب خطب الاحتفالات: من كثرة الالتفات والنظر إلى الحضور جميعهم، وكثرة التعبير بالإشارة، والتجاوز بها موضع الحاجة، وأيضاً محاولة استجواب المستمعين عن طريق طرح أسئلة ما، ومطالبة المصلين بالإجابة عن سؤاله سواء كان إنكارياً، أو غيره، ظناً منه أنه بهذه الطريقة يستطيع جذب اهتمام المصلين، والحفاظ على قدر كبير من حضورهم وتفاعلهم معه، فيشكر على هذا، ولكن ما هكذا تورد يا سعد الإبل، بل إن بعض الأساليب تمثل خروقاً لقدسية الخطبة من خلال تعمد الإتيان بقصص أو مواقف مضحكة، لايملك المستمع إلا الضحك معها.
    فخطبة الجمعة عبادة لها أركانها وشروطها وواجباتها وسننها وآدابها، فليس هناك مساحة للاجتهاد في هذه العبادة، ولاتُشبَّه بباقي الخطب، وذلك لخصوصيتها الشرعية.
    وفي المقابل نجد في مناشط الدروس العلمية، والمحاضرات العامة ظواهر خاطئة من جهة الأسلوب الإلقائي، من هذه انتشار ظاهرة رفع الصوت رفعاً كبيراً، حتى إن المار وهو يسمع صوت الملقي ليظن أنه يخطب للجمعة، أو أنه منذر جيش، ومعلوم أن الدرس العلمي والمحاضرة العامة قائمان على التفهيم والتفصيل والبسط، ويحتاجان من الملقي إلى هدوء تام وخفض صوت بالقدر الذي يمكن أن يصل إلى المستمع، وقد يحتاج الملقي إلى تكرار الكلام ثلاثاً للتفهيم، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أما الرفع بهذه الطريقة فليس من المنهج الشرعي، ولا الطبيعي في الدروس العلمية، ولا المحاضرات العامة، ولا يمكن أن يخرج المتلقي بفائدة دائمة وهو يتلقى بهذه الطريقة التي لم يكن مهيأًً لها نفسياً وبدنياً بسبب الانفعال، ورفع الصوت، ولا يمكن أن يسير الملقي أيضاً على وتيرة ثابتة، تربط آخر الموضوع بأوله.
    فينبغي على الداعية أن يتحرى في الدرس تفهيمه بأيسر الطرق، وأن يذكره مسترسلا، مرتلاً مبيناً، واضحاً، ويؤخر ما ينبغي تأخيره، ويقدم ما ينبغي تقديمه، ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه من غير ذلك، وإذا فرغ من مسألة، أو باب، أو فصل، يسكت قليلاً حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه، أو يطلب إيضاحاً، وهذا ينطبق على المحاضرة أيضاً.
    فمعرفة الأساليب الخطابية، وتنوعها بين المناشط العلمية والدعوية في مرتبة الضرورة للداعية، وقد يكون من المفيد، بل من اللازم مطالعة أبواب الجمعة من كتب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وشروحها، وما كتب استقلالاً بهذا الخصوص

    المزيد
  • وسائل التأثير على المدعويين

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 958

    ينبغي على الداعية أن يكون بصيراً بالوسائل التي تؤثر في المدعوين، ويختار ما ينفعهم، وما هو أكثر وأسرع تأثيراً فيهم، فالناس كما أنهم يتفاوتون في كل شيء، كذلك هم يتفاوتون في وسائل التأثير عليهم، ولذلك المستقرئ لكتب السنة يجد كيف كشفت لنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم التطبيق النموذجي لاستعماله وسائل التأثير على المدعوين وأنه صلى الله عليه وسلم استخدم وسائل عديدة منها: غشيانه الناس في أسواقهم ومجامعهم، وكان يكلمهم ويدعوهم إلى الحق وصراط مستقيم، وكان يراسل الملوك وزعماء القبائل، ويستقبل الوفود، ويزور الناس في بيوتهم، وغيرها كثير، مما يجعلنا نفعل هذا الجانب، ونعمله في واقع دعوتنا، إلا أنه يجب التبصر في هذه الوسائل بمعنى أن تكون غير محرمة شرعاً، وعدم إفضائها إلى محرم، أو مفسدة راجحة.
    ووسائل التأثير كثيرة، فليس من المهم سردها، بقدر الاجتهاد في معرفة قوة تأثير هذه الوسيلة على المدعو فرداً أو جماعة، مما يتطلب من الداعية بذل جهدِ كافٍ في تقدير هذا الأمر مستعيناً بالله تعالى في تحقيقه. فمن وسائل التأثير في المدعوين ما هو من أخلاق المسلم أصلاً، يستخدمه الداعية في تعامله مع المدعوين من ذلك: الزيارة، والهدية، والصدقة، والابتسامة، وزيادة الحفاوة، وغيرها كثير. وإنني أؤكد على بعض الوسائل لأهميتها من جهة، ولغيابها عند الكثير من الدعاة من جهة أخرى منها:
    «أ» الشفاعة: إن من أهم وسائل التأثير على المدعوين: قضاء حوائجهم، والشفاعة، سلم عند ولاة الأمر، وغيرهم من ذوي الحقوق، قال صلى الله عليه وسلم«اشفعوا تؤجروا» فالإنسان أسير من أحسن إليه، والنفوس مجبولة على محبة من أسدى إليها معروفاً.
    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
    لطالما استعبد الإنسان إحسان
    ولقد كان سماحة الوالد الشيخ عبدالعزيز بن باز«رحمه الله» أنموذجا رائعاً في هذا الجانب، فمما اشتهر به رحمه الله شفاعته للناس، فما كان يرد أحداً، وربما كان إذا رأى أن السعي في عمل معين ليس فيه مصلحة، راجحة، أو يظهر له فيه شيء، يقول:«ليس لي فيها نظر» أو كلمة نحوها، تشتمل على تطييب لخاطر المشفوع له.
    وهذه هي سيرة من سبقه من السلف الصالح- رضوان الله عليهم- وإليك بعض النماذج:- كان أبو المظفر الخزاعي يلزم نفسه بقضاء حوائج الناس، ويرفعها إلى المتولي فيوقع عليها بقضائها، فقيل له مرة: أيها الشيخ ربما وقع ضجر من إنهائك ما تنهيه، فقال: أنا لا أزال أكتب، فإن قضيت حاجة من كتبت فذلك الغرض، وإن لم تقض فقد أعذرت، ولا أتأثر بذلك.
    - وجاء في ترجمة الإمام محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي أنه كثيراً ما كان يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده فقال له المتولي يوماً: إنك تكتب إلينا في قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهي ألا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدني، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتي وإلا فلا. فقال له: لا نردها أبداً.
    «ب» المشاركة الوجدانية للوالدين تجاه أولادهم: كثير من الأباء يحتاجون من الدعاة زيارتهم في بيوتهم لوعظ أبنائهم، لاعتقادهم أن جانب التأثير فيهم أقوى، أو أنهم وصلوا إلى مرحلة من اليأس مع بعض أبنائهم، فينبغي على الداعية ألا يقصر في هذا الجانب، ولا يتأخر عنه وأذكر في هذا المعنى قصة جميلة حدث بها إبراهيم بن سليمان الزيات قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاءت امرأة فشكت ابنها وقالت: يا أبا عبدالله أجيئك به تعظه؟ فقال: نعم جيئي به، فجاءت به، فوعظه سفيان بما شاء الله فانصرف الفتى، فعادت المرأة بعد ما شاء الله، فقالت: جزاك الله خيراً يا أبا عبدالله، وذكرت بعض ما تحب من أمر ابنها، ثم جاءت بعد حين فقالت: يا أبا عبدالله ابني ما ينام الليل، ويصوم النهار، ولا يأكل ولا يشرب فقال: ويحك مم ذاك؟ قالت: يطلب الحديث، فقال: احتسبيه عند الله.
    «ج» التحدث بلغة القوم: قد يكون من المفيد في وسائل التأثير استعمال لغة القوم، أو بعض عباراتهم، أو لهجاتهم. فبتقديري أن هذا الأسلوب قد يفتح أقفال القلوب، ومغاليق الصدور، لأنه بهذا الصنيع يلمس شيئاً وجدانياً، ويشعر المدعو بأنه قريب منه، معايش لبيئته، وتكون هذه اللغة من التعبير نوع صداقة وألفة، وتزيل بعض حواجز الكلفة، والمجاملة التي قد تضر ولا تنفع.
    «د» التأثير بالقدوة: من أعظم وسائل التأِثير هوالقدوة، لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به. ولأجل هذه النفرة قال شعيب عليه السلام لقومه:«وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه» فكم من داعية أثر على الناس بعمله، وبحاله، من دون أن يعظهم ويذكرهم، وكم من أمم دخلت في دين الإسلام بسبب القدوة الصالحة..
    قال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي: فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له، والمؤتمرين به. وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه. وقد قيل:

    يا أيها الرجل المعلم غيره
    هلا لنفسك كان ذا التعليم
    تصف الدواء لذي السقام من الضنى
    ومن الضنى تمسي وأنت سقيم
    لاتنه عن خلق وتأتي مثله
    عار عليك إذا فعلت ذميم
    ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
    فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
    فهناك يقبل ما تقول ويقتدى
    بالقول منك وينفع التعلم

    «هـ» الإعلام بأقسامه. من أعظم وسائل التأثير، وأكبرها مساحة، وحضوراً، وسائل التقنية الحديثة: المرئية، والمسموعة، والمقروءة، وأعظمها أثراً في الوقت الحاضر بالخصوص«شبكة المعلومات العالمية الإنترنت» حيث أن هذه الشبكة من أسرع وسائل الاتصال المتاحة في العالم، وأقواها تأثيراً، والإنسان بمقدوره أن يوصل دعوته إلى ملايين من الناس بجميع دياناتهم، ومشاربهم، ولغاتهم.
    والمؤسف له أن هذه النعمة لم تستغل الاستغلال الأمثل والحسن في تبليغ دين الله تعالى، وما زال المجال متاحاً لتقديم النافع والمفيد، وإنني أدعو لإقامة مشروع موقع على الإنترنت يتحدث بلغات عالمية مستعملة، وينتخب له مجموعة من الدعاة الأماثل تتوحد جهودهم، ويستفاد من طاقاتهم المبعثرة في مواقع قد تكون مغمورة، أو قائمة على مهاترات، وذلك للقيام بالتعريف بالدين الإسلامي، وتقرير مسائل الاعتقاد، وبيان الأحكام، والرد على الشبهات، والإجابة على الاستفسارات، والاجتهاد في تنزيل فتاوى العلماء الربانيين على منهاج السلف الصالح، كفتاوى اللجنة الدائمة، وفتاوى ابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم من أهل العلم والدين، ومحاولة توفير أكبر قدر من المعلومات التي يحتاجها الناس عن الدين الإسلامي، وعن وسائل الوصول إلى المعلومة الصحيحة.والله أعلم

    المزيد
  • سماحة الاسلام

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1246

    نصوص الكتاب والسنة مستفيضة ببيان سماحة الشريعة ويسرها، والسماحة في أحكامها واضحة جلية لكل من تتبعها في أصولها وفروعها وكتاب الله تعالى قد زخر بالنصوص التي تدل على هذا الأمر وتؤيده، من ذلك قول الله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}، وقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، وإذا ما تصفحنا دواوين السنة الشريفة نجد أن الرسول صلى لله عليه وسلم قد جاء بالسماحة واليسر والرحمة بالخلق، كيف لا؟! وقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }، فكانت رسالته صلى الله عليه وسلم رسالة الرحمة والمودة والاخفاء والتآلف والتحابب، ولقد أعطاه الله تعالى اسمين من اسمه تقدس في علاه وتنزه، وذلك بسبب ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من الرحمة بالخلق، والشفقة عليهم، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }، وقد كان صلى الله عليه وسلم يمارس اليسر والسماحة في أقواله وأفعاله وتقريراته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وقال صلى الله عليه وسلم: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا) وقال: (إنما بعثت بالحنيفية السمحة) وقال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)، والنصوص في الكتاب والسنة في تقرير هذه المسألة أشهر من أن تُذكر، وأكثر من أن تُحصر، وقد استنبط منها أهل العلم قواعد للأمة، فمن القواعد المتقررة بين الفقهاء في المذاهب الأربعة أن (المشقة تجلب التيسير) وأن (الأمر كلما ضاق اتسع وكلما اتسع ضاق) وأنه (لا حرام مع الضرورة ولا واجب مع العجز) ويذكرون على هذا تطبيقات عملية في كتب الفقه. ومن أعظم صور السماحة في هذه الشريعة، نهيها عن الغلو في الدين، وأن الغلو مناف لسماحة الشريعة ويسرها، ومضاد لمقاصدها، ولقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة، في التحذير من الغلو في الدين، وبيان عواقبه، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} فهذا الخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فالمسلمون داخلون فيه بطريق الأولى، لأن ما حرمه تعالى في كتابه على أهل الكتاب، وليس فيه ما يدل على أنه خاص بهم، فهو حرام على جميع المسلمين، لا سيما وأن الغلو ممقوت في جميع الشرائع، ومما يؤيد ما سبق بيانه أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الغلو، وأشار إلى أن ما حصل من هلاك لمن سبق من الأمم، إنما كان بسبب الغلو في الدين، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وصح أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذا الدين يسر، ولين يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا.. ) وصح أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق).
    وقد بينت النصوص الشرعية خطورة الغلو في الدين على الاستقامة فيه، فالله تعالى أمر بالاستقامة فقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، والاستقامة هي: الاعتدال من دون انحراف ولا تقصير. فلما أمر تعالى بالاستقامة، أعقبها بالنهي عن الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد في كل شيء، والغلو: يأتي في أعلى درجات سلم الطغيان، وهو تعد صريح لحدود الله تعالى، وقد بين تعالى أن المتعدين لحدوده (هم الظالمون) قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
    والغلو في معناه العام هو: مجاوزة الحد في كل شيء، وأخطر شيء يحصل فيه الغلو حينما يكون في الدين، والغلو في الدين أيضاً مراتب، منه ما يكون في العمليات، مثل رمي الجمرات بحصى كبير، وصوم الدهر، والنذر الذي يتأذي به الإنسان ولو مآلاً، كالوقوف في الشمس، والمشي حافياً، وتحريم المباحات على النفس بقصد التقرب لله، كترك النكاح، وعدم النوم على الفراش، أو تحريم أكل اللذيذ من الطعام، وغيرها مما يجعل قاعدة اليسر التي بنيت عليها الشريعة تختل، ويختل وصف المحبة التي جعلها الله عنواناً لها، كما قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}.
    أما النوع الثاني من أنواع الغلو في الدين فهو الغلو في أبواب الاعتقاد، ومن أشنعها، وأقبحها، وأخطرها، هو: الحكم على المسلمين بالكفر، وإخراجهم من الملة بغير دليل من الله تعالى ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس هناك خطر يداهم حياة المسلمين أكبر من خطر التكفير، الذي من وراءه سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وبلبلة الأفكار، وتمزيق الأمة حذائق، وتشتيتها طرائق، كبرت كلمة وساءت حكما!! ولقد جاء في الزجر عن التكفير، والتخويف من عواقبه وآثاره: نصوص كثيرة من السنة النبوية، وفي واحد من هذه النصوص ما فيه أعظم زاجر ورادع لمن لديه أدنى مخافة من الله تعالى من الخوض في هذا المرتع الوخيم. فلقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيراً شديداً من أخطار الذين يكفرون المسلمين، فقد صح من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردئاً للإسلام، غيَّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك) قال: قلت يا نبي الله! أيهما أولى بالشرك، المرمى أم الرامي؟ قال: (بل الرامي). ومما يدلنا على فظاعة التفكير، وسوء عاقبته، أم المرمى بالتكفير إذا لم يكن مستحقاً لهذه الكلمة رجعت على قائلها - عياذاً بالله تعالى - فكان أولى بها وأهلها، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) وعن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا ارتدت عليه) وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سُباب المسلم فسوق، وقتاله كفر, والغلو في تكفير المسلمين يمثل أخطر الايذاء لهم، وقد توعد الله تعالى من يؤذي المؤمنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: (من ضار مسلماً ضاره الله) ولذلك كان أهل العلم يهابون ولوج هذا الباب الخطير، ويرون أن الحكم على المسلم بالكفر دونه عقبات ومفاوز تنقطع قبلها أعناق الإبل، ويرون أن اليقين بقاء إسلام من أتى يناقض من النواقض وأن إسلامه لا ينفى عنه إلا بيقين، وهذا اليقين النافي لابد أن يكون مثل الشمس في رابعة النهار، وهم مع هذا كله يحتاطون للدماء، فيجعلون الحكم فيه إلى القضاة والمفتين.
    ولأجل هذا يرى أهل السنة والجماعة أن الحكم بتكفير أحد من الناس لا يخضع للأذواق، والأقيسة، والآراء، والأهواء، وإنما هو حكم شرعي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
    ويقل الإمام القرافي رحمه الله: (كون أمر ما كفراً - أي أمر كان - ليس من الأمور العقلية، بل هو من الأمور الشرعية، فإذا قال الشارع في أمر ما: هو كفر، فهو كفر (وهذه المسألة من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة، فهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، وكلامهم في هذا مشهور غير منكور، فعن أبي سفيان قال: سألت جابراً - يعني بن عبدالله - وهو مجاور بمكة: هل كنتم تزعمون أحداً من أهل القبلة مشركاً؟ فقال: معاذ الله، وفزع لذلك، فقال رجل: هل كنتم تدعون أحداً منهم كافراً؟ قال: لا. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) قال ابن أبي العز رحمه الله معلقاً على قول الطحاوي هذا: (إن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم، فالناس فيه على طرفين ووسط - ثم حكى الخلاف في ذلك - ثم قال: وإنه لمن أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلده في النهار)، وقال الإمام النووي رحمه الله: (أعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع وغيرهم).
    فحسب امرئ مسلم لله تعالى، يبلغه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وقوله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) أي: حرمتها واحدة، وقوله: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) حتى يخشع لرب العالمين، ويسمع لنبيه صلى الله عليه وسلم ويطيع، فكيف غَرْب لسانه، وغلظ عباراته، وضراوة فكره عن إخوانه المسلمين، ثم يعلم علماً لا يشوبه شك ولا ريبه، أن لا سبيل إلى النجاح في ذلك اليوم المهيل إلا بالتحابب والتناصح بينه وبين اخوانه المؤمنين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم). وإن من أعظم البغي الحكم على الآخرين بالكفر، او أن الله تعالى لا يقبل عملهم، فهذا حكم فيه مزاحمة لله تعالى ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن جندب بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز جل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له، وأحبطت عملك).

    المزيد
  • الداعية المثالي

    • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
    • : 1480

    في الواقع إذا أردنا الحديث عن الداعية المثالي، لا يمكننا أن نتحدث عن صفات الداعية الوهبية، لأنها محض هبة الله تعالى، يهبها من يشاء من عباده، وإنما الحديث ينبغي أن يكون باستكشاف صفات الداعية الكسبية التي هي محل الاقتداء!! فالداعية المثالي هو العالم البصير بما يدعو إليه، وفي حال المدعوين، وفي طريقة دعوتهم، وهو الحريص على تحصيل العلم والأخذ بأطرافه كلها، وتحقيق مسائله، وتنقيح أحكامه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والداعية المثالي هو الذي ينوِّع خطابه حسب مقتضيات الحال والزمان والمكان، منطلقاً من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس: صغيرهم وكبيرهم، مؤمنهم وكافرهم، شريفهم ووضيعهم .. إلخ، فهؤلاء قد يجمعهم في نوع واحد من الخطاب، وقد يخص كل واحد منهم بلون معيّن من الخطاب مما يناسبه، قال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فهذه الآية تشير إلى أنّ المدعوين أصناف ثلاثة، ينبغي للداعية الناجح أن يتعامل معهم حسب التوجيه القرآني، ويجعل من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم مسلكاً له في التعامل، وقد يجمع الداعية الموفق في الخطاب الواحد ما يناسب الجميع فيعطي كلاً حقه!! فإذا امتلك الداعية إلى الله هذا الأسلوب تجاه المدعوين، فهذا يعني بالضرورة أنّه قادر على التكيف والانسجام، والتعامل بوضوح مع الحقائق، ولديه الاستطاعة على ترتيب الأولويات، في مخاطبة الجمهور والأفراد.

    دراسة البيئة

    والداعية المثالي هو الذي يعتني بدراسة البيئة المحيطة بالمدعوين، ويحاول ترتيب الأولويات، والبدء بالأهم فالأهم، ومعرفة عادات الناس، وطريقتهم في التفكير، فهذه الاهتمامات وغيرها لا يوفق إليها إلاّ النابه من الدعاة، وهو الداعية الذي يلتمّس النجاح لدعوته عن طريق استيعاب هذه الأشياء، ثم ترجمتها من خلال تعامله مع هذه الأجناس المختلفة.

    كما أنّ الداعية المثالي هو الذي له اعتناء كبير بإصلاح نفسه قبل الآخرين، لعلمه أنّه مخاطب بالأمر والنهي، جاعلاً من قوله تعالى: (.. لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)قاعدة في مسيرة دعوته، فهو من أحرص الناس على امتثال ما يدعو إليه ظاهراً وباطناً، فيعتني بإصلاح مظهره ومخبره، وأن يلمس الناس منه أنّ اهتماماته سماوية، لا طينية، أرضية، قال أبو عمر النحاس وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل يوماً: (في الدين وما كان أبصره!! وعن الدنيا ما كان أصبره!! وفي الزهد ما كان أخيَره!! وبالصالحين ما كان ألحقه!! وبالماضين ما كان أشبهه!! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها!).
    ويضيف بأنّ الداعية المثالي هو الذي له عناية خاصة بمقاصد الشريعة، ومعرفة كلياتها العامة، لأن هذا اللون من الفقه يساهم بقدر كبير - بعد توفيق الله تعالى - إلى أن يكون الداعية محل ثقة الجميع، وذلك حينما يؤطر دعوته بفقه المصالح والمفاسد من خلال تقديم خير الخيرين، وارتكاب أدنى المفسدتين حال التزاحم، وهذا يكون في القضايا الفردية والجماعية

    المزيد