الأخبار المثيرة بين القواعد الشرعية والرغبات البشرية

  • : الشيخ عزيز بن فرحان العنزي
  • : 5429

لا شك أننا في عالم متغير، وتسير عجلته بشكل سريع وخطير، بحيث أصبح عالمنا يوصف بالقرية الواحدة، فما يحصل في القاصي القصية من الكرة الأرضية يصل إلى الناس بتقنية عالية، بل قد تراه على الهواء مباشرة صوتا وصورة، وأصبحت الإثارة الإعلامية هي الغالبة في منابرنا الإعلامية، وذلك بنشر الوقائع الغريبة على الناس، أو الحوادث المؤلمة والشاذة على دين الناس وأعرافهم، يستوي في ذلك المقروء والمسموع والمرئي من الأخبار، مما يسجل للجهة الناشرة للخبر سبقا إعلاميا، تكسب به رصيدا جماهيريا واسعا، وقد تحقق عائدا ماليا جيدا، ويشار إلى أصحابها بالبنان، وهي - في الواقع - تتناغم مع طبيعة النفس البشرية، القائمة على محبة الغريب، والطيران مع كل جديد، والميل إلى الأخبار المثيرة، والالتفات إليها بانتباه، ووعي تام، وقد يلاحقها من لا شغل له، وحينما نعرض هذا اللون من الأسلوب الإعلامي، نجده يخالف ما تدعو إليه الشريعة الإسلامية السمحاء من النظر المصلحي، فقاعدتها التي لا تكاد تنخرم هي جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وإذا نظرنا إلى ما نحن فيه من حديث، نجد أن الشريعة تفرق بين الأخبار الصالحة والتي لها أثر على الناس في عقائدهم وعقولهم وأبدانهم وعلاقاتهم الاجتماعية وجميع شؤونهم، والأخبار السيئة التي لا فائدة من ورائها، بل قد يكون ضرها أقرب من نفعها، بل لقد ذهبت الشريعة أبعد من ذلك، حينما دعت إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد من حيث التزاحم، وذلك بالنظر إلى مآلاتها وآثارها، فعندما يكون ظاهر الأمر أو الخبر - مثلا - متضمنا تحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فإنه ينظر هنا في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، فإن الشريعة تمنعه؛ بل قد يكون محرما إذا كان مفسدته أرجح من مصلحته، كما يقرر ذلك أهل العلم من ذوي التحقيق.

وهنا أقول: ما الفائدة حينما تعني صحفنا - مثلا - بنشر خبر (ضرب ولد لأحد والديه) أو (زنا رجل بأحد محارمه) بشكل يؤذي العيون ويوجع القلوب، وما الفائدة من نقل خبر (سطو شاب على محل تجاري) أو (هروب امرأة من بيت زوجها) أو (القبض على فتاة اختفت من بيت أهلها) أو غيرها من الأشياء التي تشد الانتباه لدى المتلقي، وتجعله يتابع الخبر بكل تفاصيله ودقائقه.

إن من المتفق عليه أن جميع المجتمعات البشرية فيها المحاسن والمساوئ، وهي تكثر في جهة وتقل في أخرى بحسب قوة الإيمان والتمسك بالتعاليم الشرعية والقواعد المرعية، وحينما نتأمل في نشر هذه الأخبار بهذه الطريقة الفجة لا نجد أنها- في تقديري - تحقق ولا مكسبا واحدا، يمكن أن يكون سببا قويا في التعاطي معها بالشكل الصحيح، بل هي مشتملة على جملة من المخالفان: منها: مخالفة لما أمر الله تعالى به من الستر، فإن الأصل هو الستر، وكشف الجرائم والمنكرات أمر طارئ، لا يكون إلا في مسالك ضيقة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ستير يحب الستر) رواه أحمد، وأبو داود بسند صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يستر عبد عبدا في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم. وقد يشتد الأمر حينما يكون إعلان حادثة ما يوصل إلى معرفة صاحب الواقعة، ويسهم في نشر اسمه على نطاق واسع، أو معرفة ذويه ممن لا يستحقون الكشف عنهم.

ومنها: نشر معايب أهل الإسلام بشكل واسع، فإن من المجزوم به أن في نشر المخالفات عبر المنابر الإعلامية، فيه توهين لأهل الإسلام، وإساءة الظن في مجموعهم من قبل الآخرين، وقد يكون في هذا سقوط في شرك أهل الباطل من خلال ترويح الأخبار التي فيها إظهار معايب أهل الإسلام، فإن من أهم مقاصد المبطلين تمكين الأخلاق الفاسدة وإشاعتها بين الناس في الأرض، ومحاربة الفضيلة وأهلها، وتوهين الفسق والفجور في النفوس، من خلال الإكثار من نشر الأخبار الشاذة والمنحرفة، ولو كانت واقعة على الحقيقة، وهذا الجنس متوعد بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}. ومن وصايا أهل العلم: (اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب).

ومنها: تجريء أصحاب القلوب الضعيفة، والنفوس المريضة، فإن في نشر الأخبار الشاذة، والحوادث النادرة تقوية للمترددين على تقحم المخالفات، والأفعال الشاذة، وتسليط أفكارهم على شواذ الجرائم، وسيئ الخلاق والآداب، فحينما تنشر مثل هذه الأخبار فإنه هذا يحرك الراكد من الأفكار السيئة في نفوس العصاة والمجرمين، وقد يكون سبب وقوعهم في المراتع الوخيمة هي أمثال هذه الأخبار السيئة. ومثالب هذه الطريقة كثيرة تفوق الحصر، وأنا لا أريد من مقالي هذا الحجر على أقلام الناس ومنتدياتهم، خاصة في ظل هذا الفضاء الواسع من الإعلام، والحرية التي يصعب ضبطها، ولكنني أردت من إخواني الإعلاميين، وأصحاب المنتديات الإخبارية أن يوطنوا أنفسهم، فليس بالضرورة أن كل ما يكتبه الآخرون يكون صحيحا، فنحن لنا منهجنا وأسلوبنا وطريقتنا المستمدة من ديننا الإسلامي، والتي أهم شيء فيها مراقبة الله تعالى فيما نكتب ونقول، وأيضا لماذا نبتعد عن المنهج الصحيح وهو ضرورة إشاعة الفضيلة وتعزيزها في نفوس الناس عبر مسالك شرعية وعرفية معروفة، وأهمها: كشف الجوانب المشرقة لأوطاننا ومجتمعاتنا، فإذا حصل من شخص شاذ تعد على أحد والديه، فلدينا ملايين الشباب البارين بوالديهم، فلماذا التركيز على شواذ الأخلاق والتي في نشرها تكريس لمثيلاتها؟؟ وترك فضائل القيم والأخلاق الغالبة على مجتمعنا وأمتنا!! أين الملاحق الإعلامية عن قصص هي تيجان على رؤوسنا!! من أناس ضربوا أروع الأمثلة في بر آبائهم وأمهاتهم وصلة أرحامهم؟؟ فلماذا لا تبرز هذه الجوانب عبر لقاءات حوارية معهم؟؟ أو إجراء تحقيقات صحفية مع أبنائنا، واكتشاف مع يفخر به الإنسان من أنواع البر، وألوان الصلة التي يقوم بها أبناء مجتمعنا!!

لماذا حينما يقوم مخبول أو مخمور بفعل شاذ تجاه أحد محارمه، يبرز هذا الخبر، وتطير به بعض صحفنا!! حتى أنك لتشعر وأنت تقرأه بأنه سلوك عام - عياذ بالله!! والأمة كلها - ولله الحمد - تمثل أنموذج الطهر والعفاف، وفي هذا الجانب الحساس على وجه الخصوص!! فلماذا لا تكون هناك ملاحق (أسبوعية أو شهرية) تذكر فيها قصص الماضين والحاضرين في العفاف، ولماذا لا تخصص برامج يذكر فيها ما جبل عليه المسلم. والإنسان العربي من حماية العرض، والتفاخر في الدفاع عنه؟؟

لماذا لا نجد برامج وملاحق وتحقيقات تشير إلى ما سبق وغيره من الأخلاق الفاضلة، مثل الأمانة، والصدق، والمروءة، والعفاف، والكرم، وحفظ الجوار، وصنائع المعروف.. إلخ.

متى نستجيب لداعي العقل والحكمة، ونغلبه على ما يطلبه الجمهور!!

والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل .

التعليقات

اضافة تعليق