ركن المقالات
  • الموضوعية عند علماء اهل السنة ( ابن تيمية أنموذجاً )

    • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
    • 61
    يمتاز علماء أهل السنة والجماعة عن غيرهم بالإنصاف والموضوعية في نظرتهم للآخرين، ومناقشة عقائد المخالفين، ومذاهبهم وآرائهم، ولا يحملون ظلم المخالف وتجنيه عليهم مقابلته بنفس الأسلوب والطريقة، فلا يردون الباطل بالباطل، ولا يقابلون الفاسد بالفاسد، فهم ينطلقون من مبادئ شرعية، وقيم إسلامية تمنعهم من الضياع بين عاصفة البغض أو عاطفة الحب، فهم وسط في كل شيء بين الافراط والتفريط، لا يقفزون على الحقائق، ولا يُحمّلون الأشياء ما لا تحتمل من المبالغة والتهويل، فتجد من قواعدهم ان لازم مذهب الرجل ليس بلازم، وإن كانوا يستخدمونه في المناظرة كأسلوب من أساليب إفحام الخصم لكنهم لا يعدونه مذهباً له، وأيضاً حمل الكلام المبهم على أحسن المحامل، وإيجاد المعاذير الممكنة في تفسير الألفاظ الصادرة عن عالم يستمد كلامه من أصول شرعية مبنية على الدليل، وخير من يمثل هذه المدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وسبب شهرته في هذا الجانب انه من أكثر العلماء الذين ناظروا في الفروع والأصول، وخاض معارك طاحنة مع أهل البدع والزندقة، وتمثّل كتبه أصولاً لأهل السنة في الرد على المخالف، حتى بلغ ببعض المخالفين له أن أفتى بقتله لما تمكّن منه عند السلطان بعد وشاية مغرضة، ومكيدة فاسدة، ليمثّل هذا المخالف أنموذجاً من التخلّف والانهزامية والإفلاس، بسبب ضحالة العلم، وهشاشة التأصيل، وغلبة الهوى على النفس، ويبقى لهذا الصنف أتباع تظل الأمة تعاني منهم، ويشكلون لها أزمة على الدوام والاستمرار، قد انفرط عقد ثباتهم وتحولوا إلى مُتصدرين للحزِّ والقطع، والولوغ في الأعراض دون أدنى مُسوّغ، نعم قد يتكئون على نصوص شرعية، وقواعد علمية عامة يتسترون خلفها، لكنها لا تسعفهم أبداً فيما يذهبون إليه، بل هو العبث العلمي، والقفز على الحقائق، وتلويث البيئة العلمية النظيفة بظلم من القول.
    والمستقرئ للهجمة الشرسة التي شنها ويشنها خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب يظهر له بجلاء حقيقة ما أقول، وقد بيّنت شيئاً من هذا في مقال سابق.
    بينما شيخ الإسلام ابن تيمية لما تمكن من هذا المخالف الذي فقد أبسط درجات الالتزام الخلقي والأدبي والعلمي، بعد ما دالت الأمور، وتغيّرت الأحوال، وأصبح هذا المخالف رهين حكم ابن تيمية، وقيل له ما ترى فيه، قال: «نعفو عنه» ليمثّل ابن تيمية بهذا العمل المنهج الطاهر المستمد من مشكاة الأنبياء: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم»، «اذهبوا أنت الطلقاء» «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، والذي عليه أهل السنة والجماعة على الدوام.
    لقد بلغ التزام الإنصاف والموضوعية عند شيخ الإسلام ابن تيمية أن يصحح للمخالفين أصول منهجهم، نعم! قد يفرح المرء بزلة المخالف، لا سيما إذا جاءت من تلميذ ينقل عن أستاذه، أو من مجتهد في مذهب ما من المذاهب المخالفة، لكن هذا المنهج عند أهل الإنصاف والعدل كابن تيمية وأضرابه من علماء أهل السنة والجماعة غير مرتضى، فهو ينهى كثيراً ممن يناقشهم من أصحاب المدرسة العقلية إلى عدم التجني على أساتذتهم، ويفهمهم انهم لا يقولون بهذا القول، وأن أصولهم لا تقبل هذا التخريج، ولا ذاك التوجيه، والمستقرئ لرسائله رحمه الله يجد هذا المسلك ظاهراً في سائر كتبه ورسائله، ولو تتبع بالبحث لخرج في مجيليد.
    وكثيراً ما يرد رحمه الله على العلماء الذي يُلزمون المخالف بما لا يمكن أن يلتزمه فيما لو طولب، حتى ان كثيراً من هذه الإلزامات عن هذه الفرق والمذاهب ما تزال يعدها البعض من مذاهبهم، لكن ابن تيمية يغلط من يلزمهم بما ليس بلازم، أو يتقوّل على ألسنتهم، فلقد رد على ابن حزم حينما قال إن الكرّامية يقولون إن الإيمان هو إقرار اللسان بالله تعالى وإن اعتقد الكفر بقلبه فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة، ونسبه إلى محمد بن كرّام، فقال ابن تيمية: «وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة وهو غلط عليهم».
    ولا يعني بالضرورة أن ابن تيمية يدافع عن الكرّامية، فهو يعدّهم من الفرق الضالة، ولكن ضلال هذه الفرقة لا يسوغ أبداً التجني عليهم، أو الزامهم ما ليس بلازم.. بل يصل الحال بابن تيمية إلى الدفاع عن أئمة المذاهب الأربعة في المسائل الفروعية، ومن تجني فقهاء المذهب عليهم في تخريج المسائل، وجعلها أقوالاً بما لا يتفق مع أصول إمام المذهب.
    وفي الحقيقة لا يستغرب المرء من ضياع الموضوعية والإنصاف عند أهل الأهواء والبدع، لأن هذا وصف لازم لهم في الغالب، لكن المُستغرب فعلاً هو عندما يقع بعض أهل السنة في جنس ما يقع فيه أهل الأهواء، من المماحكة، والقفز على الحقيقة، وتحريف الكلام، وتحميله ما لا يحتمل.
    وفي تقديري أن غياب الموضوعية لدى هذا النوع راجع إلى أسباب أهمها:
    ضعف مراقبة الله تعالى، وعدم محاسبة النفس على ما يبديه الإنسان ويخفيه، وهشاشة التأصيل العلمي والمنهجي، والتعصب الأعمى، وذلك بنصب أقوال الرجال للانتصار، والنظر إلى القائل لا إلى القول، ومصادرة الكلام، والغاء الطرف المقابل، وادعاء المعرفة التامة، والتوهم بأن ما لدى الإنسان من معلومات وأحكام قد وصلت إلى مرحلة اليقين في ظنه، ولا أنسى الهوى الذي يتجارى في النفوس كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه.
    وان الخروج من هذا الواقع المنحرف لدى هذه الشريحة الغائبة عن ساحة العدل والإنصاف، لا يكون إلا بمراقبة الله تعالى في جميع الأحوال، وأن يستشعر المرء على الدوام أن الله تعالى مطلع عليه، عالم بخلجات صدره وما يكنه ضميره، وأنه يجب عليه أن يأتي الناس بمثل ما يحب أن يأتوه به، وأن يعلم أن سلوك العدل والإنصاف مع الاخرين يعد انتصاراً على النفس الأمارة بالسوء والشيطان، وتحقيقاً واتباعاً لما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتجاوزاً للمسالك الضيقة، إلى الفضاء الرحب من المروءة والاحسان والشهامة، وينبغي على المرء أيضاً أن ينظر في سيرة السلف الصالح الذين سطروا أروع الأمثلة في هذا الجانب المهم، وقد يكون من المفيد مطالعة ما كتبه الذهبي في سير أعلام النبلاء لكثير من أئمة الإسلام، الذين فتحوا أقنية الحوار مع الآخرين طلباً للحق، لا لحظوظ النفس، وفي تقديري ان إشاعة سير هؤلاء العظماء بين الناس، وذكر ما هم عليه من خلال ما ترجموه من أقوال وأفعال في هذا الجانب بالخصوص تشكّل محاصرة لهذه الظاهرة السلبية الخطيرة، وتطبيقاً نموذجياً لفقه الخلاف والله يتولى السرائر
    ....
    المزيد
  • ضرورة التأصيل والتقعيد عند الداعية

    • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
    • 71
    يعظم قدر الداعية الى الله ويشرف بقدر احاطته بالنصوص الشرعية، وتتبع اقوال السلف فيها، والمامه بالقواعد والضوابط والاصول العامة للدين، ومعرفة اقوال اهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، ومعرفة مقاصد الشريعة، لانه يخاطب الناس، ويتحدث الى شرائح متنوعة في المجتمعات، وهذه الشرائح مختلفة ومتباينة في تركيباتها العقلية والنفسية، وفي قوة استعدادها وسرعة قبولها، وفي تباين منطلقات ثقافاتها، وايديولوجياتها المختلفة، ولذلك تجد الُملم بقواعد الدين واصوله اقرب الناس الى روح السلف الصالح، والالصق الى لغتهم في التعبير، ولهجتهم في الخطاب، فهو يعرف ما حقه التقديم، وما حقه التأخير، ويعرف خير الخيرين وشر الشرين، لان معرفة الخير من الشر لا تحتاج الى اعمال فكر وتعب، ولا يتميز شخصٌ بانه يعرف الخير من الشر، لان هذه تتدرك بمقدمات العقول قبل اواخرها وباستطاعة كل ذي عقل ان يدركها، انما الذي يحتاج الى اعمال فكر وتعب هو معرفة خير الخيرين وشر الشرين، وايهما احق بالتقديم او التأخير.

    ان اللبيب اذا بدا من جسمه
    مرضان داوى الاكبرا

    والداعية الذي له صلة بالقواعد والضوابط الشرعية، والاصول المرعية، التي قعدها السلف الصالح، وهم الذين امرونا بالاقتداء بهم، والسير على طريقهم، والتسليم لفهمهم، في جميع اموره واحواله ويجعلها منطلقاً له في دعوته وتوجيهه الناس سيوفق باذن الله، وقد احسن من انتهى الى ما قد سمع.
    ولذلك تجد السالك لهذا المنهج: ثابت الجنان، لا تعصف به الفتن، ولا ترديه الاهواء، بل هو كالطود الشامخ، والوتد الراسخ، لانه يمتح من نبع لم تصله دلاء الآخرين، فالقواعد والاصول التي لديه تمنع العاطفة من التطويح به بعيداً، او اسقاطه في هوة الجاهلين وهو في هذا السبيل قادر على تحسس مالم يستطعه غيره، واكتشاف مالم ينله سواه من الاساليب الثرة التي جاءت بها شريعتنا السمحاء والتي من اعتصم بها لن يضل ابداً.
    وايضاً المتمكن من هذه القواعد والضوابط والاصول يلحظ ان بينه وبين الجمهور تفاعلاً قوياً، وقبولاً واضحاً يظهر ذلك في مرونته في التعبير، ولهجته في الخطاب، وتبيين الاحكام، وازالة الاشكال الحاصل في اذهان المسترشدين، بعيد كل البعد عن الاسلوب الرتيب، والطرح المألوف من الطريقة الجامدة على وتيرة واحدة، بل تجده يعمل تلك القواعد في خطابه وفتواه وحكمه، حسب مقتضيات الحال، فتجده في الغالب معتدلاً، متزناً، محتاطاً، محققاً المناط في الاشخاص مجتهداً فيهم، لا يصبغهم في حكم واحد في غير القطعيات من الدين على تفصيل ليس هذا مجال بسطه.
    يقول ابن تيمية:« فالعالم تارة يأمر، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الامر او النهي او الاباحة، كالامر بالصلاح الخالص او الراجح، او النهي عن الفساد الخالص او الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح كما تقدم بحسب الامكان، فاما اذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: اما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن ازالة جهله وظلمه، فربما كان الاصح الكف، والامساك عن امره ونهيه، كما قيل: ان من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في اول الامر عن الامر باشياء، والنهي عن اشياء حتى علا الاسلام وظهر، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لاشياء الى وقت التمكن، كما اخر الله سبحانه وتعالى انزال آيات، وبيان احكام الى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً الى بيانها» ا.ه 20/58
    وان المرء وهو يستعرض كثيراً من القضايا والمستجدات والحوادث والفتن في زماننا هذا، ليجد ان غالب ما يصدر من احكام وتعليقات وتقريرات من العاملين في حقل الدعوة ان العاطفة فيها غالبة على العلم والعقل، وهذا امر يعكس لنا مدى بعد الناس عن العلم الشرعي، وعن منهج السلف الصالح.
    ولذلك ادعو نفسي وكل عامل في حقل الدعوة الى الله تعالى، وطلبة العلم في كل مكان الى رعاية القواعد والضوابط الشرعية التي يعتصم بها المسلم من الفتن، لان الفتن اذا لم يرع حالها، ولم ينظر الى نتائجها فان نهاية الحال ستكون سيئة، واهم شيء في هذا الوقت بالخصوص الذي حصل فيه من الفتن ما اذهب بالالباب: المحافظة على الاجتماع والحذر من الافتراق وتفعيل هذا الجانب، وهذا ما يميز اهل السنة والجماعة عن غيرهم، وبتتبع النصوص الشرعية والقواعد العامة نجد ان هذا الاجتماع لا يتحقق، الا باشياء منها:
    طاعة ولاة الامر، وجمع القلوب عليهم، واعتقاد ان هذا من الدين، ولذلك نجد اهل العلم من اهل السنة والجماعة يعقدون في كتب العقائد ابواباً في وجوب طاعة ولاة الامر في غير معصية الله، وذلك لاهميته وخطورته في الوقت نفسه، وانه بسبب الجهل به حصل الشر العظيم والفساد الكبير ندرك هذا من خلال استشهاد التاريخ واستنطاق الواقع، فولاة الامر في مركز القيادة والذي في هذا المركز قد يرى ما لا يرى غيره، يقول تعالى:« يا ايها الدين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم» ومما يتحقق به الاجتماع مشاورة اهل العلم المشهورين بتمام النصح وشدة الاتباع، والصدور عن رأيهم، ولو كان فيه نوع مخالفة لهواك يقول تعالى:«ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» فالعلماء هم صمام الامان باذن الله للامة من ان تزيع او تهلك، فطاعتهم حتم لازم في غير معصية الله تعالى لانهم اصحاب بصر نافذ، وقد ينطق الله الحكمة على السنتهم، وحكمهم يرفع الخلاف كما قرر غير واحد من ذوي التحقيق من اهل العلم. وقد جربت الامة مواقف العلماء في القديم والحديث مع الفتن كيف قادوا الامة الى بر الامان، بعيداً عن الانفعالات والحماقات والمغامرة.
    وايضاً مما يتحقق به الاجتماع: السعي في جمع القلوب، وازالة الشحناء من النفوس، والتفريق بين الخلاف المعتبر وغير المعتبر، وعدم الاستعجال في اطلاق الاحكام بل لابد من التريث، وتصور حال الفتن ودراسة التاريخ والنظر في احوال الماضين لاخذ الدروس والعبر، لان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والرجوع الى كلام اهل العلم فيها، وانني اوصي بقراءة ما كتبه العلامة الشيخ صالح آل الشيخ في كتابه العجاب «الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن» فمن طالعه ونظر فيه وتأمله انشرح صدره لحل كثير من المشكلات وفك المعضلات، واهم شيء في هذا اللجوء الى الله والانطراح بين يديه وسؤاله على الدوام الهداية والتوفيق فانه نعم المولى ونعم النصير، وما خاب من التجأ الى ركنه.
    والحمد لله اولاً وآخراً .
    ....
    المزيد
  • القصة : وأثرها في الوعظ

    • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
    • 64
    من أفضل أساليب الوعظ الأسلوب القصصي، القائم على القصة الصحيحة من الكتاب والسنة النبوية، وهذا الأسلوب طريقة قرآنية، ومسلك نبوي، والمتتبع لنصوص الوحيين يجد هذا ظاهراً.
    النفس البشرية مجبولة على محبة القصص، والميل إليها، وربطها بالواقع المعايش، وهي أكثر تأثيراً من غيرها من الأساليب في الغالب، ولذلك تجد بمجرد سردها تقبل الأسماع إليها، وتنشط النفوس معها، وتتأثر بمضامينها تأثراً عظيماً، فالنفوس مولعة بمتابعة القصة، لاسيما جنس العامة، وقد يكون من السهل سرد القصة وحكايتها، ولكن شتان بين من يسوق القصة لايزيد طنينها عن أن يعبر الأسماع كسحابة صيف، ولا يمكن ان تحرك في المستمع شيئاً، وبين من يسوق القصة نفسها، ولكنه يجعلها نابضة بالروح، ضاربة بأعماق المستمع، محركة له قسراً بالتفاعل معها، يربط فيها القاص من يستمع إليها بحلقات الإبداع والتشويق، وذلك من جهة استعمال نغمات الصوت خفضاً ورفعاً، ومن جهة التركيز على سبكها وربطها، وجمع شتاتها، ولملمة أجزائها ومن جهة إخفاء ما يمكن اخفاؤه من أركان القصة لتشويق المستمع، وجذبه حتى نهايتها.
    فمهمة الواعظ سلوك هذا الأسلوب حسب الحاجة، ويجب عليه أن يُحسن التعامل مع القصة، وذلك باعتماد الصحيح، وترك المكذوب ويلزمه أيضاً أشياء، من ذلك: معرفة الناسخ منها والمنسوخ، ومعرفة سبب ورود القصة، فقد تكون القصة سبقت في قضية عين (شخصية) لا ينسحب حكمها إلى الآخرين، وليبتعد عن الغرائب والأعاجيب من القصص، وأيضاً من الفقه معرفة مدارك السامعين، ومدى استيعابهم للقصة، وليحذر أشد الحذر من ان يجعل الناس يخرجون وقد استفادوا حكماً مغلوطاً من قصته، تترتب عليه مفاسد تربو على مصلحة التحدث بها، فإن أحدنا قد تعجبه قصة ما، ثم يقدم على الحديث بها، ثم يرى بعد التدبر أنه اسقط من حساباته أشياء كان الشرع والعقل يوجبان عليه فيها التأني والتروي، وذلك خشية أن تفهم القصة في غير سياقها الصحيح، والأمثلة على ذلك كثيرة {ومّا يّعًقٌلٍهّا إلاَّ العّالٌمٍونّ}
    ....
    المزيد
  • اذا وعظت فأوجز

    • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
    • 66
    قد كانت العرب في الخطابة تهرب من التطويل إلى الاختصار، ومن الإطناب إلى الاقتضاب، لعلمهم أن الكلام المختصر أقوى من التأثير، وأسرع للحفظ، وأنه علامة على تمكن الخطيب، ولذا كان الخطيب فيهم هو من يوجز العبارة، ويترك وحشي الكلام.
    وهذا المنهج أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله، فلقد أوتي جوامع الكلم، وكانت خطبه ومواعظه قصداً، وعباراته سهلة على الاسماع، مفهومة غير معقدة، مستعذبة حلوة، يكاد يحصيها العاد، وهكذا الخلفاء من بعده، وأهل العلم والدين على هذا المسلك.
    وعنوان هذا المقال هو عبارة عن نصيحة أهدتها أم المؤمنين عائشة إلى الإمام الفاضل عبيد بن عمير حيث قالت له:«إذا وعظت فأوجز فإن الكلام الكثير ينسي بعضه بعضاً» وهو منهج عظيم ينبغي لكل من يتصدر للخطابة والوعظ والتذكير أن يتبعه، وحسبنا إدراكاً أن جميع الناس على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم يميلون إلى الخطيب الذي يختصر الكلام، ويضغط العبارة، وينتقي البليغ من القول، بعيداً عن التقعر والتمطيط، فكلامه أدعى إلى القبول، وأقوى في التأثير، وأرسخ في ذهن الموعظ، وأيضاً الرغبة الأكيدة من الجمهور في محبة الاستماع إليه على الدوام.
    بخلاف من يذهب مذهب التطويل والاستطراد، والتفريع في الوعظ، يشعرك وأنت تستمع إليه أنه يريد جمع أحكام الدين كله في مقام واحد، فإن الملل يتسلل إلى نفوس الموعوظين، والتململ والتضجر، ومحاولة التفلت من الاستماع ظاهرة عليهم.
    ولذلك أهم شيء على الواعظ أن يسلكه، لأجل الإيجاز والاختصار هو استعمال بعض الأساليب والأدوات منها.
    أولاً: الاكتفاء بدليل واحد من الكتاب وآخر من السنة يتعلق بالموضوع، فالبعض يسرد عشرات الأدلة من الكتاب والسنة والتي كلها تصب في الموضوع ذاته، وبالإمكان الاكتفاء بواحد يؤدي الغرض، وينبه على الحكم أو المقصود.
    ثانياً: الاكتفاء بنقل قول أو قولين لبعض السلف أو العلماء يخدم الموضوع ذاته، ويراعى في القول أيضاً أن يكون مختصراً، أو يختار محل الشاهد إذا كان الكلام طويلاً.
    ثالثاً: وضع تصور مسبق، ورؤية واضحة عما يريد الواعظ التحدث عنه، فالخطبة والموعظة تتكونان من مقدمة وجسم وخاتمة، ومن يعلم من نفسه تفلت الكلام منه أثناء الموعظة، أو يعلم أنه يستطرد كثيراً أن يحصر مفردات موعظته في قصاصة صغيرة تضبط له مسار الحديث.
    رابعاً: الإكثار من القراءة، والنظر في كتب السلف وخطبهم ومواعظم، وأيضاً كتب الأدب والبلاغة التي تورث المرء معرفة تامة بالألفاظ، والتعامل مع العبارات، فإن المراس على مثل هذا الأسلوب يورث الخطيب أسلوباً جديداً من الحديث يقوم على الاختصار والإيجاز..والله أعلم
    ....
    المزيد
  • الأساليب الإلقائية في المناشط الدعوية

    • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
    • 66
    إن من علامة النجاح للداعية أن يكون بصيراً بالأساليب الدعوية التي يقوم بها، ولنأخذ مثالاً واحداً لذلك، وهو: الأسلوب الخطابي في المناشط الدعوية، فالأساليب الإلقائية تختلف حسب نوعية المنشط الذي يقوم به الداعية، فمن علامات النجاح للداعية أن ينوع أسلوبه الخطابي من منشط لآخر، وفق دلالات المعنى الذي يقتضيه المنشط، وألا يسير على وتيرة واحدة في الإلقاء، سواء في المنشط الواحد، أو في المناشط المتنوعة، فما تحدثه لغة الصوت من أثر في نفسية المستمع، من: قوة وشدة، ونعومة ولين، وخفض ورفع، وما يصاحبها من وضع انفعالي يتناغم مع الحركة والصوت، أمر في غاية الأهمية والضرورة، وأثره يلمسه المراقب والمهتم والمنشغل في ميدان الدعوة، والمستقرئ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد هذا ظاهراً.
    وفي الحقيقة أصبحنا نشاهد خلطاً كبيراً لدى شريحة من الدعاة، والخطباء في العالم الإسلامي، بين هذه المناشط من جهة الالتزام بالمنهج الشرعي لها ومن حيث أسلوب الأداء.
    فخطبة الجمعة مثلاً قائمة على التنبيه، ولذلك وصفت خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالاختصار، والإيجاز، والقصد، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر خطبة الرجل وطول صلاته علامة على فقهه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل في خطبة الجمعة رفع الصوت، حتى يصفه بعض الصحابة بأنه إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه، كأنه منذر جيش، يقول صبحكم أو مساكم، وكان كلامه سهلاً مستعذباً، لا تمله الأسماع، يفهمه كل من سمعه.
    وأصبحنا نشاهد بعض المخالفات الظاهرة لدى شريحة كبيرة ممن يرقون أعواد المنابر، وأذكر هنا ما يتعلق بالأسلوب الخطابي، من ذلك:
    الإلقاء المجرد عن الحماس والانفعال المنضبط بالقواعد الشرعية، والأصول المرعية، وجلب اهتمام المصلي وتفاعله مع الخطيب، حتى إن النوم ليتسلل إلى المستمع بسبب برودة الإلقاء وضعفه، خاصة إذا صاحب ذلك قراءة الخطبة من ورقة.
    سرد خلاف أهل العلم في المسائل الفقهية، فتجد البعض يفصل لك في المسألة بسرد خلاف الفقهاء، وينتقل إلى الترجيح عن طريق المسالك العلمية، والمدركات، وفي الحقيقة أن المنبر ليس مكاناً لهذا التفصيل، والعرض للمسائل الخلافية، ولا يخفى أن أغلب الحضور من العامة، فإيقافهم على هذا النمط من التعليم إفساد لهم، وتشتيت لأفكارهم، وزعزعة لثوابتهم.
    من الممكن أن تكون هيبة الصعود على المنابر قد زالت في هذا الوقت، بسبب عوامل عدة، من ذلك توفر الخطب المكتوبة، وانتشار الكتب والبرامج التي تدرب على الخطابة، ولكن يلحظ أن بعض الخطباء أصبح يخلط بين الخطب الشرعية، والخطب العامة، كالحفلية، والسياسية، والوعظية، فتجد مثلاً بعض الخطباء في الجمعة يستخدم أساليب خطب الاحتفالات: من كثرة الالتفات والنظر إلى الحضور جميعهم، وكثرة التعبير بالإشارة، والتجاوز بها موضع الحاجة، وأيضاً محاولة استجواب المستمعين عن طريق طرح أسئلة ما، ومطالبة المصلين بالإجابة عن سؤاله سواء كان إنكارياً، أو غيره، ظناً منه أنه بهذه الطريقة يستطيع جذب اهتمام المصلين، والحفاظ على قدر كبير من حضورهم وتفاعلهم معه، فيشكر على هذا، ولكن ما هكذا تورد يا سعد الإبل، بل إن بعض الأساليب تمثل خروقاً لقدسية الخطبة من خلال تعمد الإتيان بقصص أو مواقف مضحكة، لايملك المستمع إلا الضحك معها.
    فخطبة الجمعة عبادة لها أركانها وشروطها وواجباتها وسننها وآدابها، فليس هناك مساحة للاجتهاد في هذه العبادة، ولاتُشبَّه بباقي الخطب، وذلك لخصوصيتها الشرعية.
    وفي المقابل نجد في مناشط الدروس العلمية، والمحاضرات العامة ظواهر خاطئة من جهة الأسلوب الإلقائي، من هذه انتشار ظاهرة رفع الصوت رفعاً كبيراً، حتى إن المار وهو يسمع صوت الملقي ليظن أنه يخطب للجمعة، أو أنه منذر جيش، ومعلوم أن الدرس العلمي والمحاضرة العامة قائمان على التفهيم والتفصيل والبسط، ويحتاجان من الملقي إلى هدوء تام وخفض صوت بالقدر الذي يمكن أن يصل إلى المستمع، وقد يحتاج الملقي إلى تكرار الكلام ثلاثاً للتفهيم، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أما الرفع بهذه الطريقة فليس من المنهج الشرعي، ولا الطبيعي في الدروس العلمية، ولا المحاضرات العامة، ولا يمكن أن يخرج المتلقي بفائدة دائمة وهو يتلقى بهذه الطريقة التي لم يكن مهيأًً لها نفسياً وبدنياً بسبب الانفعال، ورفع الصوت، ولا يمكن أن يسير الملقي أيضاً على وتيرة ثابتة، تربط آخر الموضوع بأوله.
    فينبغي على الداعية أن يتحرى في الدرس تفهيمه بأيسر الطرق، وأن يذكره مسترسلا، مرتلاً مبيناً، واضحاً، ويؤخر ما ينبغي تأخيره، ويقدم ما ينبغي تقديمه، ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه من غير ذلك، وإذا فرغ من مسألة، أو باب، أو فصل، يسكت قليلاً حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه، أو يطلب إيضاحاً، وهذا ينطبق على المحاضرة أيضاً.
    فمعرفة الأساليب الخطابية، وتنوعها بين المناشط العلمية والدعوية في مرتبة الضرورة للداعية، وقد يكون من المفيد، بل من اللازم مطالعة أبواب الجمعة من كتب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وشروحها، وما كتب استقلالاً بهذا الخصوص
    ....
    المزيد