حرمة الدم الانساني

  • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
  • : 538
إن المتأمل في نصوص الشريعة يجد أن الإسلام يعظم حرمة الدم الإنساني، فالأصل في الدماء عموماً العصمة، والحكم بهدرها شيء طارئ، ويكون ذلك بارتكاب المرء ما يستحق عليه القتل بنصوص قطعية من الكتاب والسنة لا تحتمل التأويل، ولأجل هذا يقرر الفقهاء أن قتل الأنفس لا يجوز الإقدام عليه إلا بمسالك ضيقة موضحة في نصوص الشريعة، من ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. وأيضا من القواعد المقررة عند أهل العلم أنه لا يجوز أن يتولى قتل الأنفس (بحق) آحاد الناس وأفرادهم، كرجم الزاني، أو قتل القاتل، أو من أظهر ردة صريحة: عالماً، مختاراً، قاصداً، ونصوا على أن من يقدم على هذا يعد مفتئتاً على السلطان، يجب تعزيره بأشد العقوبات، لأن إقامة الحدود يشترط لها قوة شرعية وسياسية، تحسم مادة الشر التي تتولد من الثأر والانتقام، ويأمن الناس من الحيف عليهم، وهذه موجودة في السلطة الحاكمة، وفيمن يستمد سلطته من الحاكم أو السلطان وهم القضاة، هذا في القتل بحق، فكيف بالباطل؟!! ولأجل هذا جاء الوعيد الشديد، والعذاب الأكيد، على من قتل نفساً بغير حق، فلقد ورد ذكر قتل الأنفس المعصومة بعد الشرك بالله تعالى في نصوص الشريعة، مما يدلنا على أنه من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ونصوص الكتاب والسنة مستفيضة بذكر خطورة سفك الدماء بغير حق، قال تعالى :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.. وقال سبحانه وتعالى:{.. أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}وذكر الله تعالى صفات المؤمنين أنهم لا يرتكبون فظائع الآثام، وعظائم الذنوب، ومن ذلك القتل، وقد جاء ذكره بعد الشرك به سبحانه وتقدس، فقال:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة من الأحاديث فيها تعظيم حرمة الدم الإنساني، وحرمة إزهاق الأنفس المعصومة، وبيان الجزاء المترتب على ذلك، وفي واحد من هذه الأحاديث ما يزجر ويردع من لديه أدنى مخافة من الله تعالى؛ عن الإقدام على مثل هذه الجريمة، والفعلة الشنيعة، فمن ذلك:قوله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات.. وذكر منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) قال بن عمر: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفك الدم الحرام بغير حله. رواه البخاري والحاكم من حديث عمر.
وقال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
وقال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه مسلم من حديث البراء بن عازب.
ويقول عبدالله بن عمرو: رأيت رسول الله يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وما أطيب ريحك! وما أعظمك وما أعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمة منك، ماله ودمه، وأن نظن به إلا خيراً) رواه بن ماجة.
وقال صلى الله عليه وسلم: (كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا الرجل يموت مشركاً، أو يقتل مؤمناً متعمداً) رواه أبوداود وابن حيان والحاكم من حديث معاوية.
وقال صلى الله عليه وسلم: (يأتي المقتول متعلقاً رأسه بإحدى يديه، متلبباً قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دماً، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار) رواه الترمذي من حديث ابن عباس.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه أبوداود من حديث عبادة بن الصامت. يعني فرح بقتله والعياذ بالله.والنهي عن إزهاق الأنفس، والاعتداء على الدماء لا يقف على قتل المسلم وإيذائه فقط، بل يتعدى ذلك إلى غير المسلمين من الذميين والمعاهدين، فيحرم قتل المعاهد، وهو الكافر الذي دخل بلاد المسلمين بأمان الحاكم، أو الكفيل لأجل العمل، أو الذي يمثل دولته في بلاد المسلمين، فنفسه معصومة، ودمه محقون، وقتله محرم وجريمة، يبرأ منها الإسلام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) رواه البخاري من حديث عبدالله بن عمرو.
أسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن