ضرورة التأصيل والتقعيد عند الداعية

  • فضيلة الشيخ د/ عزيز بن فرحان العنزي
  • : 528
يعظم قدر الداعية الى الله ويشرف بقدر احاطته بالنصوص الشرعية، وتتبع اقوال السلف فيها، والمامه بالقواعد والضوابط والاصول العامة للدين، ومعرفة اقوال اهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، ومعرفة مقاصد الشريعة، لانه يخاطب الناس، ويتحدث الى شرائح متنوعة في المجتمعات، وهذه الشرائح مختلفة ومتباينة في تركيباتها العقلية والنفسية، وفي قوة استعدادها وسرعة قبولها، وفي تباين منطلقات ثقافاتها، وايديولوجياتها المختلفة، ولذلك تجد الُملم بقواعد الدين واصوله اقرب الناس الى روح السلف الصالح، والالصق الى لغتهم في التعبير، ولهجتهم في الخطاب، فهو يعرف ما حقه التقديم، وما حقه التأخير، ويعرف خير الخيرين وشر الشرين، لان معرفة الخير من الشر لا تحتاج الى اعمال فكر وتعب، ولا يتميز شخصٌ بانه يعرف الخير من الشر، لان هذه تتدرك بمقدمات العقول قبل اواخرها وباستطاعة كل ذي عقل ان يدركها، انما الذي يحتاج الى اعمال فكر وتعب هو معرفة خير الخيرين وشر الشرين، وايهما احق بالتقديم او التأخير.

ان اللبيب اذا بدا من جسمه
مرضان داوى الاكبرا

والداعية الذي له صلة بالقواعد والضوابط الشرعية، والاصول المرعية، التي قعدها السلف الصالح، وهم الذين امرونا بالاقتداء بهم، والسير على طريقهم، والتسليم لفهمهم، في جميع اموره واحواله ويجعلها منطلقاً له في دعوته وتوجيهه الناس سيوفق باذن الله، وقد احسن من انتهى الى ما قد سمع.
ولذلك تجد السالك لهذا المنهج: ثابت الجنان، لا تعصف به الفتن، ولا ترديه الاهواء، بل هو كالطود الشامخ، والوتد الراسخ، لانه يمتح من نبع لم تصله دلاء الآخرين، فالقواعد والاصول التي لديه تمنع العاطفة من التطويح به بعيداً، او اسقاطه في هوة الجاهلين وهو في هذا السبيل قادر على تحسس مالم يستطعه غيره، واكتشاف مالم ينله سواه من الاساليب الثرة التي جاءت بها شريعتنا السمحاء والتي من اعتصم بها لن يضل ابداً.
وايضاً المتمكن من هذه القواعد والضوابط والاصول يلحظ ان بينه وبين الجمهور تفاعلاً قوياً، وقبولاً واضحاً يظهر ذلك في مرونته في التعبير، ولهجته في الخطاب، وتبيين الاحكام، وازالة الاشكال الحاصل في اذهان المسترشدين، بعيد كل البعد عن الاسلوب الرتيب، والطرح المألوف من الطريقة الجامدة على وتيرة واحدة، بل تجده يعمل تلك القواعد في خطابه وفتواه وحكمه، حسب مقتضيات الحال، فتجده في الغالب معتدلاً، متزناً، محتاطاً، محققاً المناط في الاشخاص مجتهداً فيهم، لا يصبغهم في حكم واحد في غير القطعيات من الدين على تفصيل ليس هذا مجال بسطه.
يقول ابن تيمية:« فالعالم تارة يأمر، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الامر او النهي او الاباحة، كالامر بالصلاح الخالص او الراجح، او النهي عن الفساد الخالص او الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح كما تقدم بحسب الامكان، فاما اذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: اما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن ازالة جهله وظلمه، فربما كان الاصح الكف، والامساك عن امره ونهيه، كما قيل: ان من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في اول الامر عن الامر باشياء، والنهي عن اشياء حتى علا الاسلام وظهر، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لاشياء الى وقت التمكن، كما اخر الله سبحانه وتعالى انزال آيات، وبيان احكام الى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً الى بيانها» ا.ه 20/58
وان المرء وهو يستعرض كثيراً من القضايا والمستجدات والحوادث والفتن في زماننا هذا، ليجد ان غالب ما يصدر من احكام وتعليقات وتقريرات من العاملين في حقل الدعوة ان العاطفة فيها غالبة على العلم والعقل، وهذا امر يعكس لنا مدى بعد الناس عن العلم الشرعي، وعن منهج السلف الصالح.
ولذلك ادعو نفسي وكل عامل في حقل الدعوة الى الله تعالى، وطلبة العلم في كل مكان الى رعاية القواعد والضوابط الشرعية التي يعتصم بها المسلم من الفتن، لان الفتن اذا لم يرع حالها، ولم ينظر الى نتائجها فان نهاية الحال ستكون سيئة، واهم شيء في هذا الوقت بالخصوص الذي حصل فيه من الفتن ما اذهب بالالباب: المحافظة على الاجتماع والحذر من الافتراق وتفعيل هذا الجانب، وهذا ما يميز اهل السنة والجماعة عن غيرهم، وبتتبع النصوص الشرعية والقواعد العامة نجد ان هذا الاجتماع لا يتحقق، الا باشياء منها:
طاعة ولاة الامر، وجمع القلوب عليهم، واعتقاد ان هذا من الدين، ولذلك نجد اهل العلم من اهل السنة والجماعة يعقدون في كتب العقائد ابواباً في وجوب طاعة ولاة الامر في غير معصية الله، وذلك لاهميته وخطورته في الوقت نفسه، وانه بسبب الجهل به حصل الشر العظيم والفساد الكبير ندرك هذا من خلال استشهاد التاريخ واستنطاق الواقع، فولاة الامر في مركز القيادة والذي في هذا المركز قد يرى ما لا يرى غيره، يقول تعالى:« يا ايها الدين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم» ومما يتحقق به الاجتماع مشاورة اهل العلم المشهورين بتمام النصح وشدة الاتباع، والصدور عن رأيهم، ولو كان فيه نوع مخالفة لهواك يقول تعالى:«ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» فالعلماء هم صمام الامان باذن الله للامة من ان تزيع او تهلك، فطاعتهم حتم لازم في غير معصية الله تعالى لانهم اصحاب بصر نافذ، وقد ينطق الله الحكمة على السنتهم، وحكمهم يرفع الخلاف كما قرر غير واحد من ذوي التحقيق من اهل العلم. وقد جربت الامة مواقف العلماء في القديم والحديث مع الفتن كيف قادوا الامة الى بر الامان، بعيداً عن الانفعالات والحماقات والمغامرة.
وايضاً مما يتحقق به الاجتماع: السعي في جمع القلوب، وازالة الشحناء من النفوس، والتفريق بين الخلاف المعتبر وغير المعتبر، وعدم الاستعجال في اطلاق الاحكام بل لابد من التريث، وتصور حال الفتن ودراسة التاريخ والنظر في احوال الماضين لاخذ الدروس والعبر، لان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والرجوع الى كلام اهل العلم فيها، وانني اوصي بقراءة ما كتبه العلامة الشيخ صالح آل الشيخ في كتابه العجاب «الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن» فمن طالعه ونظر فيه وتأمله انشرح صدره لحل كثير من المشكلات وفك المعضلات، واهم شيء في هذا اللجوء الى الله والانطراح بين يديه وسؤاله على الدوام الهداية والتوفيق فانه نعم المولى ونعم النصير، وما خاب من التجأ الى ركنه.
والحمد لله اولاً وآخراً .